LOADING

Type to search

دائرة التلاشي

موضوع العدد

دائرة التلاشي

أسامة المهتار
Share

في مقال لها بعنوان، “النجدة يا سماحة السيد“، تكتب الزميلة غدي فرنسيس ما يلي:

“اليوم، أنا لست حزبية ولن أعود يومًا إلى “هناك”. أنا حرة وأفتخر بتجربتي وبماضي أهلي الحزبي، لكن ثمة من يُصر على إحالة كل ما أكتب واُعبّر عنه إستنادًا إلى “الهوية القومية”. ذلك النص حرّرني، في عشرينيتي، من حزبيتي. هذا النص أتمنى أن يُحرّرني، في ثلاثينيتي، من صمت دام طويلاً، ومن اعتراض خبّأته وصرت أشعر معه أن استمرار الصمت خيانة. إن الذي حرّكني لأكتب عن حزبي وحزب أبي وإرث المرارة هو نفسه محركي اليوم: حرص على القيم والمبادئ لا الأفراد. حرص على السبب الأساس الذي يجعل واحدة مثلي تختار مواجهة العالم حتى الشهادة؛ لأجل قضية تؤمن بها. هذا النص ليس عن الحزب القومي الذي لم يعد يعنيني بمعناه الحزبي الضيق بل يعنيني بناسه ومفكريه وشهدائه أبداً وما حييت. هذا النص للحديث عن حزبي الأكبر، وحزب أبي الأكبر، المقاومة الوطنية الكبرى، وإرث المرارة الذي لا أريد أن أورّثه لأبنائي مستقبلاً.

فحوى المقال، بعد مقدمة عن تجربة الكاتبة في الحزب السوري القومي، وبعد إبداء الخوف من أن ينتهي حزب الله “كحزب الملة، أو حزب الفئة أو حزب الاستعلاء”، استنجاد بالأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصرالله، ضد من “يحسبون أنفسهم عليه” ومن الإعلام الذي “فقد خطابه الوطني واستفحلت فيه الفئوية.” وتختم ذلك الجزء من المقال بالقول، “لا أعرف إذا كان الكلام هنا ينفع، وإذا كان عوضاً من أن نقول “النجدة يا سيد” بات علينا ان نقول: “الله يعينك يا سيد.” للمقال خلفية طويلة من النقد لممارسات حزبية من قبل الزميلة فرنسيس، وتهجم عليها من قبل كوادر من حزب الله.

ومع أن موضوع المقال هو حزب الله حصرًا، إلا أنه يفتح الباب للتأمل في ظاهرة أوسع وتسبق حتى نشوء حزب الله، تعاني منها بعض الأحزاب العقائدية وبضمنها الحزب السوري القومي الاجتماعي. سوف نطلق على هذه الظاهرة اسم دائرة التلاشي، ونحاول في هذا المقال وصف مكوناتها ومسار دورتها.

تتشكل هذه الدائرة في منظمات عقيديّة تغيرية، حين تُبلى بقيادات ليست على سوية نظرتها وغايتها من جهة، وبأعضاء يتميزون بقدر كبير من الذكاء والاندفاع والابداع والإخلاص والشعور بالكرامة، من جهة أخرى. تفشل تلك القيادات في استيعاب القدرات الإبداعية وتوظيفها، فتبدأ الدائرة كما هو مبين أدناه.

التخلي

هو تخلي القيادات الحزبية عن القيام بواجباتها حيال القضية التي أقسمت يمين الولاء لها، وأولها وضع الخطط العملانية لتحقيق غاية الحزب. وللتخلي أشكال تتراوح بين الإهمال والخيانة، وقد شهدنا مثل هذه الحالات في أكثر من مرحلة من تاريخ الحزب السوري القومي الاجتماعي، أبرزها كان الواقع اللبناني، ومن ثم سلسلة من الوقائع أبرزها العروبي والماركسي وواقع منظمة التحرير الفلسطينية كمنظمة كيانية.

الإبداع

سوف نستثني من هذا البحث بعض المبدعين الذين استقطبتهم الحركة السورية القومية الاجتماعية ومن ثم انقلبوا على مؤسسها أو على مفاهيمها العقيدية والأخلاقية، وانتهوا إما مطرودين من صفوفها أو مخربين في داخلها. سوف نقصر البحث على الذين انتموا إليها، فخابوا، فانكفؤوا، ومن ثم بحثوا عن مكان آخر يستوعب طموحاتهم.

من الطبيعي أن تستقطب حركة كالتي أطلقها مبدعٌ راءٍ مثل أنطون سعاده شخصيات تتحلى بميّزات كما وصفنا أعلاه. هؤلاء يجدون في هذه الحركة “مثالا أعلى” لهم، بناء على نظرة إنسانية قلّ نظيرها، وغاية واضحة تسعى لتغيير جذري في المجتمع. تغيير تسود معه العدالة، ويزيل الحواجز التي تكبل حركة الشعب، ويطلق الحريات، ويعيد السيادة القومية إلى البلاد. ولكن هؤلاء يصطدمون بقيادات يمكن وصفها بأنها بليدة أو عاجزة أو خاملة. فيقع الصدام فالخيبة فالانكفاء. سلاح المبدعين إبداعهم وقلقهم على مصير نهضتهم، وسلاح الخاملين “النظام” الذين يشهرونه سيفا في وجه من يكشف بلادتهم.

هناك ملاحظة لا بد من إبدائها، وهي أن المبدعين هؤلاء، فيما يعطون للحركة، يأخذون منها. إنهم يأخذون وضوح الفكرة ونبلها، ونهجها العملي، ومفرداتها، وكل هذا يزيد من تألقهم ومن قدراتهم الفكرية والعملية، ما يجعلهم هدفا للاستقطاب من حركات سياسية قد تكون معادية عقيديًا أو سياسيًا للحزب السوري القومي الاجتماعي.

طبعا، هذا وصف سطحي لمشكلة أكثر تعقيدًا بكثير، ولكنه يلخص حالات عديدة معروفة في الإعلام والشعر والأدب والموسيقا والإدارة والاقتصاد والقانون، وغيرها.

الخيبة والتخلي

بعد كل خيبة هناك انكفاء، مرحلة من الهدوء والمراجعة تنتهي بواحد من ثلاثة: أولاً، نسيان أسباب الخيبة والعودة إلى الانتظام عند بروز ما يوحي بأمل ما. ثانيًا، الابتعاد النهائي عن العمل العام. ثالثًا، البحث عن مكان آخر يضع فيه الفرد مجهوده بما يعتقد أنه يحقق ولو جزءًا من طموحاته. فيما تبقى من هذا البحث سوف نركز على الحل الثالث.

الانبهار

في شهر نيسان من سنة 2005 كتبنا مقالاً بعنوان “هل من يدلنا” يرد فيه المقطع التالي:

لا خلاف بين العماد عون وسماحة نصر الله على نصف المشكلة اللبنانيَّة: الإصلاح السياسي والإداري. ولكن هذا النصف لا قيمة له دون النظر إلى النصف الآخر الفارغ من كوب كلٍّ منهما: المقاومة من كوب الأوَّل، وفصل الدين عن الدولة من كوب الثاني. تيَّار العماد عون، ومنظَّمة “حزب الله” محكومان، على المدى البعيد بالفشل الأكيد إن لم ينظرا إلى نصف الكوب الفارغ في مقولة كلٍّ منهما.”

فحوى المقال مقارنة بين تطلعات كل من التيار الوطني الحرّ وحزب الله آنذاك، نشير فيه إلى ما رأيناه من نواقص في كوب كل منها، ونختمه بما يلي:

“هل مَن يدلُّنا على حركة تقول بوحدة بلاد الهلال الخصيب حياة ومياهًا واقتصادًا وتدعو لقيام حركة مقاومة واحدة تحرِّر الإنسان والأرض، وحركة إصلاح سياسي واجتماعي تقوم على سواسية المواطنة، بغضِّ النظر عن الانتماء العرقي أو الديني أو الكياني. هل مَن يدلُّنا!”

طبعا، السؤال إنكاري بامتياز؛ سؤال يمتزج فيه التحسر بالتوجع مما لمسناه آنذاك من انبهار بواحدة من هاتين الحركتين أو كليهما معا، من قبل عدد كبير من السوريين القوميين الاجتماعيين.

هذا كان سنة 2005. سنة 2020، كتبنا ثلاثية عن الموضوع نفسه، ولكن بتطوير وتفصيل يتناولان أحداثا كانت قد مرّت خلال خمس عشرة سنة، بما فيها “ورقة التفاهم” التي أبرمت بين التيار والحزب سنة 2006. الثلاثية هي كسر القيد، والقرارات التاريخية الصعبة، وقيمة المواطن في حد ذاته. ما كان لافتًا، قبل وأثناء نشرها تباعًا، قيام بعض الرفقاء ممن نحب ونحترم بمحاولة ثنينا عن نشرها. هذه المقالات الأربع تلخص ما كان يجب ان يكون كاشفًا للبَهرَج منعا من الانبهار.

الخيبة من جديد

لا شك في أن مقال غدي – مع رفع الألقاب – يضج بخيبة تعبّر عنها عبارات مثل، “الصمت الطويل”، و”الصمت خيانة”، و”إرث المرارة”، وسواها الكثير مما نقرؤه في المقدمة وصولا إلى استنجادها بالسيد حسن نصرالله ضد من هم حوله. ولكن هذه الخيبة لا تعفي غدي من سؤال مهم: هل هذه الخيبة مفاجِأةٌ أو متوقعة؟ لقد نشأت غدي في مدرسة الحزب السوري القومي الاجتماعي وتشرّبت مفاهيمها وعجنت خطابها بمفرداتها، وكل هذا يزيد من ألقها. والأهم من هذا كلها أنها تستخدم منهجها التحليلي، الذي سنكتفي بنموذج واحد منه: لا يمكن ان يكون دوران جسم على محور غير محوره أفضل لحركته من الدوران على محوره.

في هذه المدرسة تعلمت غدي أن “القومية الاجتماعية” هي المحور الطبيعي الذي يجب ان تدور حركة المجتمع السوري عليه. القومية الاجتماعية هي عقيدة شمولية inclusive أي أنها لا تقصي أحدًا. أما المؤسسات الدينية والتنظيمات السياسية المنبثقة عنها فهي مؤسسات إقصائية exclusive بطبيعتها. وهي إقصائية لأنها تَعِدُ أتباعها حصرًا بآخرة حسنة، فيما هي تحشر من تبقى في النار الأبدية. وهي تسحب معتقدها هذا على حياتنا اليومية، فلا تكتفي بوضع أتباعها في مراكز القرار على حساب الكفاءة والوحدة المجتمعية، بل نراها تريد فرض نظرتها إلى الحياة في مناطق نفوذها منعًا وحجبًا لما يراه العديد من الناس حقوقًا طبيعية لهم. بالتالي أن ننتظر عدالة اجتماعية من مؤسسة دينية أو مذهبية فهذا سراب. كذلك انتظار مقاومة قومية من مؤسسة مذهبية أو كيانية أو عرقية أو انفلاشية؛ أو عدالة اجتماعية من تنظيم طبقي، كله سراب في سراب. إنه الانبهار الذي يخلق السراب تلو السراب. إنها دورة التلاشي.

وكم رأينا من سوري قومي اجتماعي ركض وراء سراب من هنا تلو سراب من هناك.

الانكفاء الجديد

تمهد غدي السبيل للانكفاء عن حزب الله بالقول: “هذا النص للحديث عن حزبي الأكبر، وحزب أبي الأكبر، المقاومة الوطنية الكبرى، وإرث المرارة الذي لا أريد أن أورّثه لأبنائي مستقبلاً.”

لا شك في أن حزب الله لا يمكن له أن يكون “المقاومة الوطنية الكبرى” التي تحلم بها غدي. إنه مقاومة إسلامية، نقطة على السطر. كذلك لا يمكن لحماس أو باقي الفصائل المذهبية على امتداد الوطن السوري أن تكون تلك المقاومة. كما لم يكن بإمكان منظمة التحرير الفلسطينية أن تكون تلك المقاومة. بل يمكن لنا القول، استطرادًا، إنه لا يمكن توقع انبثاق “مقاومة وطنية كبرى” كالتي تريدها غدي، إلا عن حركة سورية قومية اجتماعية. فكل هذه الحركات تدور على محور غير محور القومية الاجتماعية فلا يمكن لحركتها ان تنتج مقاومة قومية اجتماعية. ولكن “الأحزاب” السورية القومية الاجتماعية هي في وضعية “التخلي”، التي تقود إلى الخيبة، فالانكفاء، فما العمل؟ وإلى أين ستلجأ غدي؟ وغدي هنا هي اسم يصف حال عدد كبير من المبدعين الذين هم في مثل وضعها.

ختام

في مقال القرارات التاريخية الصعبة قلنا، “كثيرون ممن قرؤوا مقال “كسر القيد” قالوا إنه لمستحيل أن يقوم كل من التيار الوطني الحر وحزب الله بمبادرة لبناء الدولة المدنية لأن “مذهبيتهما هي علة وجودهما”. جوابنا كان صريحًا: “إذا كانت المذهبية هي “علّة وجود” التيار الوطني الحر وحزب الله، وهي نفسها “علّة” الوطن المزمنة، فعليهما أن يبحثا عن علّة وجود جديدة.”

هذا كان في نهاية سنة 2020. بعد ما يقارب السنتين، نجد أن الوطن في جميع أرجائه، يعاني من هذه العلل. ومع أن بحثنا هذا انطلق من مقال للزميلة غدي فرنسيس في نداء للسيد حسن نصرالله، إلا أن هذا الوضع، لا ينحصر بحزب الله. إنها ظاهرة عامة على ثلاثة أفرقاء التمعن فيها واستنتاج الخلاصات المفيدة.

أولاً، على المؤسسات المذهبية بمختلف أنواعها إعادة النظر بعلّة وجودها القاتلة للمجتمع والانسان. ثانيًا على الأحزاب العقيدية التغيرية أن تكون على مستوى نظرتها وغايتها الأساس فتستقطب الإمكانيات المبدعة عوضًا من تهميشها فتهشيلها. وثالثًا على من وصفناهم بالمبدعين وخاصة الذين نشؤوا في مدرسة الحزب السوري القومي الاجتماعي، مدرسة سعاده، الّا ينبهروا بحركات تدور على غير المحور الطبيعي لحركة المجتمع. بل إننا ندعوهم لتركيز جهدهم على وضع الحلول العملية لإنقاذ حزبهم وإيجاد الآليات التي تكفل انتظامًا في انبثاق السلطات واحتضانا للإمكانيات وتفعيلاً لها. عندها تنتهي الخيبة فالانكفاء فالمرارة فالتلاشي.

Print Friendly, PDF & Email
Follow by Email
Twitter0
Visit Us
YouTube
YouTube
Instagram0

2 تعليقان

  1. Avatar
    ريمون الجمل 13 مايو، 2022

    تحياتي رفيق اوسامة
    لقد اعجبني هذا التحليل العميق والفكري العميق في ردك على غدي فرنسيس
    انما عندي الملاحظات التالية
    هل الانكفاء هو الحل وترك بناء الحزب لمن لا يعي ما اهداف وغاية الحزب وما قصد سعادة من طرح مشروعه؟
    ماذا لو انكفاء انطون سعادة بعد ان واجه ما واجه في الارجنتين وبعد عودته ؟
    انكفاء غدي او اوسامة او الغير ؟ ماذ يحل
    الانكفاء ضعف للحزب وافساح المجال للعاجزين والفاسدين ليتحكموا بالحزب

    ان تناشد السيد كما قبلها ناشدو عرفات و غيره سابقا وماذا كانت النتيجة ؟ اننا ندفع الثمن البارحة غدا واليوم وما اوصلنا للانغماس في مستنقع السييادة الفاسدة
    ريمون الجمل

    رد
  2. أسامة المهتار
    أسامة المهتار 13 مايو، 2022

    شكرا رفيق ريمون. عدم الانتظام في إحدى مؤسسات الانقسام لا يعني انكفاء عن محاولات إنقاذ الحزب وإعادة بنائه.

    رد

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Contact Us


Please verify.
Validation complete :)
Validation failed :(
 
Thank you! 👍 Your message was sent successfully! We will get back to you shortly.