LOADING

Type to search

آخر رعيل الأوائل.. وداعًا

شؤون حزبية موضوع العدد

آخر رعيل الأوائل.. وداعًا

ماهر يعقوب
Share

قبل أيام قليلة أُعلن عن وفاة أحد قادة الحزب الأوائل، لا بل أكبرهم سنًّا وأقدمهم انتماءً. الأمين عصام المحايري.. وكان هذا الخبر متوقّعًا وغير مستغرب بسبب تقدّمه في العمر فمصير كل فرد هو الموت، لكن ما كان مستغربًا برأيي ما ذُكر وقيل من قبل عديد من القوميين الاجتماعيين بين تعليقات وتعليقات معاكسة، وجدتُ في بعضها أمرًا لا يليق بنا كأعضاء في حزب هو حزبُ القدوة والأخلاق والحقيقة والعدالة قبل أن يكون أيّ شيء آخر!

فمنّا من حاكم وحَكمَ سلباً، ومنّا من وضعَه في مصافي القُدسية، وبين هذا وذاك تباينت التعليقات وردود الأفعال والتهكّمات والاستعراضات وذِكر الحوادث.

هنا تتصدّر المقام برأيي عدة أسئلة منها:

  1. هل تم منحنا كرفقاء أفراد صلاحية أن نُحاكِم ونَحكم على أيّ مسؤول حزبي أو رفيق؟
  2. هل من الصواب منحُ صفةِ القداسة من بعضنا لراحل ما، أو نعتُه بأرزل الصفات من بعضنا الآخر، وكأننا أمام إمّا قدّيسين، أو شياطين؟!
  3. هل هي ظاهرة صحية أن ننقسم في تقييمنا لأحد الرفقاء أو المسؤولين بحياته أو بعد غيابه، أم هي استتباعٌ لحالنا المتفسّخ روحيًا والمشتّت ولائيًا؟
  4. هل من المفيد لمسيرة الحزب ولقضيته أن ننبري لتعرية وإدانة من يغيب من قياداته أو أعضائه دون أن يكون قد حوكم وأُدين بما اتهم؟ ونغفُلَ عن كل ما قدّمه أو ضحّى به لنصرة القضية السورية القومية خلال حياته!
  5. هل هي إطلالة لائقة نطلّ بها على مجتمعنا وبيئتنا الحاضنة حين نسعى لتهشيم قادة تاريخيين عاصروا سعاده وتحمّلوا ما تحمّلوه من آلام درب الجلجلة، وتبوّؤوا أعباء مسؤوليات رفيعة وصلت لرأس الهرم الحزبي، وغادروا دون أي قرار مركزي بحقهم؟

كل تقييم فردي أو شهادة فردية لم تُقرّ بالمحكمة الحزبية وتعتمد وفق الأصول الدستورية هي شهادة عاطفية إما إيجابيًا، فتكون كمن لا يرى أخطاء من يحبّه، أو سلبيًا فنراه يشيطن من لا يحب، وهذا لا أجده يليق بنا كقوميين على الاطلاق.

البعض استند على قدسيّة حدث الموت، إذ لا يجوز بعده إلّا الترحّم، والبعض الآخر تناول هذه المسألة بكثير من التجافي والتعالي، فذهب لعدم اعتبار أي وزن له.. نعم قد لا نكون ممّن يكبّلون أنفسهم بتقاليد المجتمع عمومًا، لا بل نسعى لتحطيم البالي منها، لكن أيضًا ليس من الحكمة برأيي أن نجرّد أنفسنا من كل اعتبار اجتماعي، وكأنّ فجاجتنا الاجتماعية شأنٌ محبّب أو مطلوب!

في الحقيقة لست أدعو لا لهذا ولا لذاك، لكن بالتأكيد أدعو للاحتكام إلى المصلحة العليا، مصلحة الحزب، ولأن نرى بعقلانية وهدوء أعصاب ما الذي يحقّقها، لا أن نحطّم صورة عامة اجتماعية وسياسية وحزبية ونضالية رافقت أحد قياديي الحزب مدى حياته! بل أن نخرج من هذا التحطيم، أو منح القدسية، إلى أمر موضوعي لائق بالحزب وبالقوميين في إقامة مراسيم وداع لهذا المغادر؟

يمكن لنا في صحيح من زمان وموضع وأسلوب، وبتقدير عميق لمصلحة الحزب أن نقدّم انتقادات وشواهد موثّقة على مواقف، أو مسيرة، أو قرارات أيّ من مسؤولي وأعضاء الحزب، إنّما بموضوعية خالية من الحقد والضغينة والحساسيات الشخصية، وانطلاقًا من رؤية نجد فيها تحقيقًا للمصلحة الحزبية، وإلّا يكون ذلك من باب التهشيم الحاقد دون معيار حزبي عام، فتهشيم رجالات النهضة بمحطاتهم المضيئة أم بتلك التي قد نراها مجافية للصواب يصحّ فيه برأيي ما قاله المعلم عن الشعوب الغبية كيف تفعل بقادتها.

إن اغترابنا عن أخلاقنا وانتظامنا المناقبي، لهو من أشدّ علامات ابتعادنا عن حزبنا الذي أسّسه سعاده، ففي متابعتي لبعض ما ذُكر عن الأمين الراحل عصام المحايري وفي التعليقات ما يندى له الجبين، ويدلّل على أنّ بعض من هم في صفوف حزبنا أولادًا لا رجالات قضية، تتحكم فيهم نزوات ورؤى فردية قصيرة المدى!

أنا أحد الرفقاء الذين خالفوا الأمين المغادر في حياته مرات عديدة، وناقشته كثيرًا دون ملل، ويمكن لي أن أكون قد أشرت بمسؤوليته عن عدد من المسائل والأحداث الحزبية التي لم ترُقْ لي وقتها أو بعدها.. لكني ما سمحت لنفسي أن أكون قيّمًا عليه لأنني أعتبر مثل ما هو من حقي كعضو أن أدلي برأيي عنه ولو له، وهو من حقه أن يراني مصيبًا أو مخطئًا…. هذا في حياته، حيث يمكن له أن يُوضح ويبرّر بعض ما أراه خطأ حزبيًا، فكيف نسمح لأنفسنا أن نجلدَه بعد رحيله وهو غير قادر على الدفاع عن نفسه، ولا نغفل بأنّ كل هذا يحصل في ظل غياب أي قرار أو حكم حزبي بحقه، ولو كان هناك ما يستحق اتخاذ ذلك وجب أن يصدر إبّان حياته، ولمّا لم يحصل فإمّا هو تقصير مؤسساتي، أو أن لا شيء يستدعي ذلك، وفي الحالين لا يعطينا الحق بالإدانة!

لكن أن يصبح القوميون الاجتماعيون بُعيدَ رحيله منقسمين بين من يقدّسه وبين من يستبيح تاريخّه، فهذا أولاً تعدٍّ على عمل الدولة القومية-الحزب، وثانياً ابتعادٌ عن السويّة الأخلاقية التي يجب أن نتحلى بها.

رحم الله كلّ من غادرنا وآخرهم الأمين عصام، وليكن في ميزانٍ عادل لحكم التاريخ في قادم الأيام. والبقاء لسوريا.

Print Friendly, PDF & Email
Follow by Email
Twitter0
Visit Us
YouTube
YouTube
Instagram0

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Contact Us


Please verify.
Validation complete :)
Validation failed :(
 
Thank you! 👍 Your message was sent successfully! We will get back to you shortly.