العراق في الوثائق البريطانية-شرق وغرب في وطن واحد

image_pdfimage_print

 غالباً ما يفصل مؤرخو مرحلة النهوض الوطني في الهلال الخصيب، خلال العقد الأخير من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، بين التحركات الساعية إلى الاستقلال في سوريا الغربية (سوريا الحالية ولبنان وفلسطين) وبين مثيلاتها في سوريا الشرقية (العراق)، على الرغم من أن هدف تلك التحركات واحد ألا وهو الحرية والاستقلال والوحدة، والعدو واحد ألا وهو السلطنة العثمانية قبل الحرب العالمية الأولى وفرنسا وبريطانيا الاستعماريتان بعد الحرب.

وتعود نزعة الفصل هذه إلى أسباب عدة، بعضها تاريخي مرتبط بالحواجز السياسية التي أقيمت بين شرقي الهلال الخصيب وغربيه، وبعضها نتاج طبيعي للفكر الإنعزالي القطري الذي رسخته القوتان الاستعماريتان في الفترة ما بين الحربين العالميتين، وبعضها الأخير يرجع إلى الجهل والتجهيل بالوثائق التاريخية التي تظهر أن التحركات الشعبية في شطري الوطن السوري كانت أكثر تقارباً وتماثلاً مما تقدمه لنا الكتابات التاريخية المعاصرة.

في هذا السياق نود الإضاءة على كتاب “العراق في الوثائق البريطانية 1905 ـ 1930” الصادر عن “دار المأمون” في بغداد سنة 1989. صحيح أن الكتاب الذي ترجمه وحرره فؤاد قزانجي قديم نسبياً، إلا أنه لم يحظ في حينه بالاهتمام الذي يستحقه نظراً إلى طبيعة الظروف القاسية التي كان يمر بها العراق آنذاك بعد أقل من سنة على انتهاء الحرب العراقية ـ الإيرانية المدمرة. والحقيقة أن الكتاب يمسّ وتراً حساساً اليوم بعدما تساقطت حدود سايكس ـ بيكو الإصطناعية بين العراق والجمهورية السورية بفعل الظروف الأمنية المعروفة.

الوثائق التي يتضمنها الكتاب لا تغطي موضوعاً واحداً متناغماً، لكن ما يهمنا منها ما تكشفه عن وجود تنسيق وتفاهم بين القوى الحزبية والشعبية في المنطقتين من أجل تحقيق الأهداف ذاتها في الحرية والاستقلال والوحدة. في إحدى الوثائق يعترف بيرسي كوكس الحاكم السياسي الإنكليزي في العراق بعد الحرب العالمية الأولى بأن الوضع في سوريا (الشام) يؤثر كثيراً في العراق، فيقول: “ولا شك أن الأمور في العراق تأثرت إلى درجة كبيرة بالأحداث الجارية في سوريا. فعندما أعلن تنصيب الأمير فيصل ملكاً على سوريا في آذار 1920، كان رد فعل العراقيين المناداة بأخيه الأمير عبدالله ملكاً على العراق”. والمعنى غير المباشر هنا أن الشعب كان يريد علاقات وحدوية ولو عن طريق تولي الأسرة الهاشمية المُلك في الشرق وفي الغرب.

وتوجد في الكتاب وثيقة تعود إلى شباط سنة 1913، أي في ظل الحكم العثماني، أعدها المسؤول البريطاني المقيم في مدينة البصرة الجنوبية يقول فيها إن اجتماعاً موسعاً عُقد في المدينة أصدر في ختام أعماله مذكرة تطالب بـ”السماح بجمع مجلس الولاية من أجل وضع مشروع للإصلاحات التي تحتاجها الولاية يشابه المشروع الذي صُودق عليه في سوريا مؤخراً”. ويضيف التقرير أيضاً: “تألفت في البصرة الجمعية الإصلاحية على غرار الجمعية الإصلاحية في بيروت”. ويبيّن لنا التقرير أن منظمي التحركات الشعبية في العراق كانوا مطلعين على التحركات المماثلة في بيروت ودمشق وحلب، وربما وُجد تنسيق غير معلن بين تلك الجمعيات والأحزاب.

لكن أهم ما في الكتاب وثيقة تتعلق بحزب أو بجمعية العهد العراقي الذي تأسس في العام 1913 على يد مجموعة من الضباط السوريين والعرب (الجيش العثماني) المتواجدين في الآستانة، وذلك في مسعى للرد على محاولات التتريك التي قادتها جماعة “تركيا الفتاة”. ونحن نعرف لاحقاً أن الحزب إنقسم على ذاته وفق خطوط سايكس ـ بيكو بعد الحرب العالمية الأولى، فأصبح هناك حزب العهد العراقي وجمعية العهد السورية. غير أن هذا الانقسام ظل محصوراً على مستوى القيادات السياسية، إذ حافظ حزب العهد العراقي على فروع قوية في الموصل ودمشق وعمان والكرك.

وتكشف إحدى الوثائق البريطانية “أن أعضاء الجمعية في حلب زاروا الممثلية الأميركية وطالبوا بفرض الانتداب الأميركي على سوريا رافضين في الوقت نفسه أية مساعدة مهما كانت من بريطانيا وفرنسا”. ويذكرنا هذا الموقف بما طالبت به القيادات السياسية والفكرية في سوريا والمهاجر من ضرورة اللجوء إلى “الانتداب الأميركي” هرباً من الاستعمار الفرنسي والبريطاني، خصوصاً في ضوء مبادئ الرئيس الأميركي ويلسون الداعية إلى حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها.

أما أهم وثيقة في الكتاب فهي تلك التي تنقل مطالب العراقيين كما جاءت في مذكرة حزب العهد العراقي المرفوعة إلى “لجنة كينغ ـ كرين” الأميركية التي زارت سوريا للوقوف على مطالب الشعب السوري. وتضمنت المذكرة البنود التالية:

1 ـ إستقلال العراق من ديار بكر إلى خليج البصرة بحدوده الطبيعية (وهم يقصدون بذلك الكويت والأحواز أيضاً).

2 ـ تأسيس حكومة دستورية مدنية ملكية في العراق على أن يكون ملكها سمو الأمير عبدالله أو شقيقه سمو الأمير زيد.

3 ـ تحتج الجمعية بشدة على الفقرة الخاصة بالانتداب من المادة 22 من دستور عصبة الأمم، وترفضها رفضاً باتاً ولا تعترف لأية دولة كانت بحقوق أو تقاليد سياسية أو اقتصادية أو تاريخية في البلاد العربية المنسلخة من تركيا.

4 ـ ترى الجمعية الاستعانة بأميركا في ما تحتاجه البلاد من المساعدات الفنية والاقتصادية على أن لا تمس المساعدة المذكورة استقلال البلاد السياسي العام.

5 ـ رفض هجرة العناصر الأجنبية كالهنود واليهود إلى البلاد العربية.

6 ـ طلب الاستقلال التام لسوريا كلها ورفع الموانع السياسية والاقتصادية بين سوريا والعراق، تلك الموانع التي تضر بوحدة العرب القومية، ورفض ما تدعيه فرنسا في سوريا من الحقوق والتقاليد.

طبعاً يجب أن لا يغيب عن أذهاننا أننا نتعامل مع مرحلة شهدت البدايات الجنينية للعمل النهضوي، مع كل ما يعنيه ذلك من ضبابية في الوعي القومي. غير أن التحركات العفوية كانت تعكس في الوقت نفسه وعياً غامضاً بوحدة المصير القومي  وترابط المصالح العامة بغض النظر عن الموانع الناشئة عن غياب سيادة الأمة على نفسها. إن هذه الوثائق، وغيرها الألوف مما لا يزال حبيس الأدراج المغلقة ينتظر نفض الغبار عنه، ستقدم لنا معطيات جديدة ستساعدنا في إعادة كتابة تاريخنا المعاصر من زاوية وحدتنا القومية الاجتماعية وليس من منطلق ترسيخ ما رسمته أقلام المستعمرين على خارطة الوطن السوري.

 

في هذا العدد<< إتصالات لبنانية ـ إسرائيلية- مركز إسرائيل للمعلومات ـ نيويوركالتغطية الفقهية للإرهاب >>
3 1 vote
Article Rating

You may also like...

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments