الانتخابات اللبنانية وعارنا النيابي

image_pdfimage_print

أحمد أصفهاني

هذا موسم الانتخابات النيابية في الكيان اللبناني، ومن المفترض أن يذهب اللبنانيون إلى صناديق الاقتراع في أيار المقبل. غالبية القوى السياسية والطائفية تتحرك على أساس أن هذا الاستحقاق سيتم في موعده، بينما يرى آخرون أنه سيؤجل أو يُلغى. ولو جئنا نسأل المواطن العادي عن مدى اهتمامه، لنظر إلينا باستخفاف واستغراب واستهجان، ولسان حاله يقول: “الناس بالناس والقطط بالنفاس”!

وحتى لو أجريت الانتخابات في موعدها، وعاد إلى ساحة النجمة “ممثلو الشعب”، فإن المواطن لا يعوّل كثيراً على أية نتيجة. ومع ذلك، يُعتبر الموعد المُحدد مفصلياً لاعتبارات إقليمية أكثر منها داخلية.

أما نحن فالذي يعنينا هو موقع الحزب السوري القومي الاجتماعي، والمنهج الذي ستعتمده القيادات الحزبية تجاه الانتخابات، وما يرتبط بها من مفاوضات وصفقات وتحالفات.

قرأنا في الصحف وعلى وسائط التواصل الاجتماعي أخباراً عن الصعوبات التي تعترض حالياً المفاوضات مع الأطراف الأخرى، خصوصاً “الحلفاء”. ومثل هذا المسار غير مستغرب طالما أن الحزب انخرط منذ مطلع تسعينات القرن الماضي في لعبة الحكم، نيابة ووزارة. وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، عقدت القيادات الحزبية اتفاقات مصلحية، قسم كبير منها لا يليق بالحزب السوري القومي الاجتماعي، ولا يتناسب مع قيمه المناقبية، ولا يخدم المصلحة العامة!

من المفترض أن تعيد القيادات الحزبية قراءة الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في ضوء الإنهيار الوطني الشامل على كل الأصعدة. وفي هذه الحالة يجب أن تنطلق القراءة من التالي: ماذا نريد أن نحقق من خلال خوض انتخابات معروفة النتائج سلفاً؟ وهل سنحقق تغييراً ملحوظاً بإيصال نائب أو أكثر إلى ساحة النجمة؟ وأخيراً، هل يُعقل أن يبقى الحزب شاهد زور على استمرارية نظام دخل غيبوبة الموت؟

فلنأخذ تجربة الحزب النيابية والوزارية في الكيان اللبناني (الشيء نفسه ينطبق تقريبًا على الكيان الشامي!)، ولنعتمد نتائجها مقياسًا للقراءة الجديدة. فهل يوجد في سجلات نوابنا ووزرائنا ما يشجّع على خوض التحالفات لإيصال نائب أو أكثر، فنعيد تحقيق “الانجازات الباهرة” في مجلس نيابي عاجز وفاسد ومتورط في إذلال الشعب؟

وصف سعاده الحزب بأنه “حركة الشعب العامة”، فهل عمل نوابنا ووزراؤنا على احترام هذه المقولة ناهيك عن تحقيق أي جزء منها!

أعتقد أن الموقف الأفضل الذي يمكن أن يستعيد مصداقية القيادات الحزبية، ويحظى باحترام المواطنين قبل القوميين، يتمثل في عدم خوض الانتخابات من منطلق مبدئي وليس بسبب مناورات “الحلفاء” وألاعيبهم!

إن شعبنا في لبنان ينوء بمأساة اجتماعية واقتصادية مرعبة، وهو يتوقع من القوميين الاجتماعيين أن يصارحوه بالحقيقة المرّة: رسالة الحزب الواضحة يجب أن تؤكد على أن هذا النظام الكياني الطائفي الزبائني قد وصل إلى أجله المحتوم، وأن الانتخابات النيابية لن تُحدث أي تغيير حقيقي. ومهما كانت هوية المجلس “المنتخب”، فليس بمقدور التركيبة الحاكمة أن تخفف من المعاناة الداخلية والإملاءات الخارجية.

سترتكب القيادات الحزبية خطأ تاريخياً كبيراً إذا ما قبلت بأن تكون رافعة يمتطيها “الحلفاء”. فنحن لسنا مجرد “بحصة تسند خابية”، كما تشدّق أحدهم. وإذا كنا نتوافق معهم على إدراك خطورة ما يُحاك للأمة، فلا يعني هذا أن نتحمل وزر المفاسد الناجمة عن سياسات مناقضة للمصلحة العامة.

لقد تحمّل القوميون الاجتماعيون التبعات المشينة لممارسات بعض من نوابنا ووزرائنا على مدى ثلاثة عقود. بعضهم أمعن بالفساد والإفساد، وبعضهم سكت عن الفساد، وبعضهم نأى بنفسه عن الفساد… ولكنه ظل سائرًا في ركاب الفاسدين!

إنها لطخة سوداء في تاريخ حزب تُشكل الممارسات المناقبية قاعدة راسخة من قيمه السامية. نحن ندرك أن تبني مثل هذا القرار الجذري لن يكون سهلاً. غير أن الظروف التاريخية الراهنة تتطلب خطوات تاريخية استثنائية. والقوميون الاجتماعيون ما ترددوا يومًا في التقدم شامخي الرؤوس عندما ينطلق نفير الأمة.

في هذا العدد<< المايسترو حسام الدين بريمو ضيف الندوة الثقافية في مجموعة إعادة البناءصحيح… لمن نكتب؟ >>
0 0 votes
Article Rating

You may also like...

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments