قراءة في النص: دراسة الرفيق حنّا الشيتي

image_pdfimage_print

للرفيق حنا الشيتي دراسة قيمة جداً حول الاقتصاد القومي الاجتماعي نشرها على حلقات خمس في مجلة الفينيق. في تلك الدراسة يبرهن الرفيق حنا عن معرفة واختصاص في موضوعه. لقد قدم لنا شرحاً واضحاً جداً للمبدأ الاصلاحي الرابع من مبادئء الحزب، خاصةً لمعنى فكرة “انصاف العمل” وغيرها من الافكار التي كانت لا زالت ملتبسة أو غير جلية للكثيرين منا.

إلا أنه في نهاية الحلقة الخامسة من دراسته أدخل مسألة الديمقراطية في الموضوع الإقتصادي، وتحديداً في كيفية الوصول الى إدارات فاعلة وعادلة في منظمات العمل تستطيع حلّ النزاعات بين حقوق كل من أصحاب الرأسمال والمساهمين من جهة والعمال والموظفين من جهة أخرى. وقد لخّص هذه المعضلة كالتالي:

“المعضلة الأساسية التي سوف تلاحقنا دائماً، هي في إيجاد الهيئة الإدارية المعبِّرة عن المصلحة العامة للمجموع الذي تديره، سواءً كنا بصدد التعاونية التي أمامنا هنا، أم بصدد الجمعيات والمنظمات التي سوف تعمل في ظل الدولة القومية الاجتماعية”.

“إن طريقة الانتخاب المتَّبعة حالياً في النظم الرأسمالية لانبثاق مجالس إدارات المنظمات، ومدرائها التنفيذيين، ترث من الديمقراطية التمثيلية كلَّ السلبيات التي كان قد حذَّرَنا منها سعاده. بل المرجَّح أن يزداد الأمر سوءاً فيما لو مُنِح الموظفون حقوقاً سياسية، دون أن تتبدل طريقة انبثاق الهيئات الإدارية؛ لأن البلبة والتنافر اللتان تنتجان عن الموظفين سوف تضاف إلى البلبلة والتنافر الموجودتين حالياً في جموع المساهمين بالرأسمال”. ثم اقترح، بدلاً من ذلك”، تطبيق الديمقراطية التعبيرية في دوائر العمل.”

إن مناقشتي الآن للرفيق حنا الشيتي ستتركز حول مسالة الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية التعبيرية ومعناهما فقط، آملاً أن تساهم مناقشتي هذه في زيادة الحوار وإغنائه من أجل جلاء الفكرة ومنع الإلتباس.

أولاً: في معنى الإرادة العامة

إن الموضوع الرئيس في الديمقراطية التمثيلية التي انتقدها سعاده، والديمقراطية التعبيرية البديلة التي أوجدها، هو موضوع الإرادة العامة في المجتمع القومي: التعبير عن الارادة العامة بدلاً من تمثيل الإرادة العامة، ودون فهم معنى الإرادة العامة وكيفية نشوئها لا يمكننا فهم معنى تمثيل هذه الإرادة أو التعبير عنها.

الإرادة العامة هي صفة من صفات المتحد الاجتماعي، المجتمع، الأمة، وليست شيئاً موجوداً في منظمات العمل ومؤسساتها وشركاتها وتعاونياتها، فهذه ليست متحدات إجتماعية وروابطها وعلاقاتها ليست هي العلاقات والروابط التي تميز المتحدات الاجتماعية، ولا يوجد فيها إرادة عامة بل إرادات فردية مشتركة هي وليدة “مصالح خصوصية متماثلة”.

كما أن الديمقراطية هي صفة من صفات الدولة وطريقة انبثاق السلطة في الدولة، وليست شأناً من شؤون منظمات العمل والنزاع في هذه المنظمات بين مصالح كل من أصحاب الرأسمال والمساهمين والموظفين. فالديمقراطية تعني أن الشعب هو صاحب السيادة ومصدر السلطة في الدولة، أما في منظمات العمل ومؤسساتها وشركاتها فالسلطة هي للمؤسسين وأصحاب الرأسمال، وإن كان للدولة حق الاشراف عليها وتوجيهها لحفظ حق العمال ولصيانة مصلحة الأمة والدولة. إن للعمال والموظفين حقوقاً يجب صيانتها، لكن منظمات العمل تأسست ليس بإرادة العمال والموظفين بل بإرادة أصحاب الرأسمال.

إن موضوع الديمقراطية ومصدر السلطة والمصلحة العامة والإرادة العامة هو موضوع علمي لا يحسن أخذه دون تدبّر وإنتباه ودون الحفاظ على معنى مصطلحاته العلمية. وهذا هو سعاده يحتاط وينبّه الدارسين على وجوب التمييز بين معنيي المصلحة والإرادة عندما تكونان من خصائص المتحد الاجتماعي، من جهة، ومعناهما عندما تكونان متعلقتان بالشركات التجارية أو “منظمات العمل” وموظفيها الذين لا يؤلفون مع أصحاب الرأسمال متحداً إجتماعياً بأي حال من الأحوال. يقول:

“فإذا تكلم العلماء عن عوامل الاجتماع ووصفوها بأنها قوى أو توافُق المصلحة والإرادة فيجب ألا نبادر الى تكوين اعتقادات سطحية بشأن المصلحة والإرادة بحيث تستعمل المصلحة بالمعنى التجاري البحت، وتستعمل الإرادة بالمعنى الفردي أو الاستبدادي. فلا يتصورن أحد أن تأليف شركة تجارية من سوريين وانكليز لاستثمار بعض أسواق الصين أو البرازيل يؤلف متحداً اجتماعياً من أفراد الشركة بناء على تعريف الشركة بأنها هيئة تجمع المصلحة والإرادة، والمصلحة والإرادة هما قطبا المجتمع أو المتحد. ومن تصور شيئاً من ذلك فقد اختلط عليه ما هو شأن المتحد وما هو شأن الجمعية أو الشركة.” (نشوء الامم- الفصل الأخير- تعريف المتحد)

وهكذا فإن الكلام عن المصلحة والإرادة كونهما قطبا المجتمع أو المتحد، يختلف كثيراً عن الكلام عليهما في منظمات العمل أو الجمعيات والمؤسسات والشركات، لأن هذه الأخيرة لا يؤلف مجموع العاملين فيها متحداً إجتماعياً أبداً. “إذا كانت الإرادة خاصّة (من خصائص) ملازمة لكل متحد فلا يحسن أن نتجاهل الواقع فنظن أن التوافق في إرادات معينة يكفي لإيجاد المتحد” (نشوء الامم الاعمال الكاملة ج 3 صفحة 125). وبالتالي فإن الكلام عن الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية التعبيرية في منظمات العمل، حيث الأولى تعني تمثيل الإرادة العامة والثانية تعني التعبير عن الإرادة العامة، هو كلام خارج الموضوع. ذلك لإن أصحاب رأس المال والمساهمين فيه والعاملين الموظفين لا يؤلفون مع بعضهم متحداً إجتماعياً ولا يوجد هنا شيء أسمه إرادة عامة يمكن تمثيلها أو يمكن التعبير عنها. إن “المصلحة المشتركة” التي تجمع بين مصلحة اصحاب الرأسمال في الربح ومصلحة العمال في تحصيل المعاش، هي مصلحة شخصية فردية مؤقتة تنتهي مع انتهاء العمل ومع تبدّل المساهمين والعمال وتغييرهم وانتقالهم من مؤسسة الى أخرى، ولا تشبه “المصلحة العامة” المولِّدة “للإرادة العامة” التي هي في أساس المتحد الاجتماعي والتي هي ثابتة ودائمة وملازمة لوجود هذا المتحد. والرفيق حنا يعرف ذلك وينقل عن لسان سعاده ويقول: “ الشّركة وسيلة مصالح خصوصيّة متماثلة“، وبأن مصلحتها ” تقوم على أساس المصلحة الشّخصيّة البحت، وكلّ اعتباراتها العامّة مقرّرة بالمصلحة الشّكليّة لكلّ شخص فهي خصوصيّة قبل كلّ شيء، لأنّ غرضها خصوصيّ، معيّن ومحدّد”. ورغم ذلك يعود ويتكلم على الديمقراطية التمثيلية والتعبيرية، أي عن تمثيل الإرادة العامة أو التعبير عنها، في وقت لا يوجد في الشركة لا إرادة عامة ولا من يريدون.

الرفيق حنا يريد أن يقول أن إعطاء الموظفين المتظاربي المشارب والمصالح الشخصية حق انتخاب الهيئات الإدارية في المؤسسات التي يعملون فيها سوف يعطّل صلاح وفعالية هذه الهيئات. هذا صحيح لا نناقشه فيه، لكن كان يمكن قول ذلك دون التورط في زج مسالة الديمقراطية وتمثيل الإرادة العامة أو التعبير عنها، في هذا الموضوع.

ثانياً: في معنى التعبير عن الإرادة العامة

في معرض تعريفه لمعنى الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية التعبيرية، يقول الرفيق حنا أن الأولى “استندت الى إرادة الشعب كما هو في واقع الحال”، ويقول أن الثانية “تعكف على توليد الإرادة التي يجب أن تكون! ويستشهد بقاموس المحيط حيث “المعبِّر يفسِّر ما هو مستور”، ويستنتج أن “التعبير عن الإرادة هو تفسير إرادة مستورة أو كامنة وغير فاعلة، وبالتالي فهي إرادة غير موجودة بالفعل ولكنها موجودة بالقوة!”

إن الرفيق حنا يستند في تعريفه الى قاموس المحيط، وبالتحديد الى جملة: “المعبِّر يفسر ما هو مستور”. بينما سعاده قد أفصح لنا وأوضح ما يعنيه بالتعبير عن الإرادة العامة والفرق بينها وبين تمثيل الإرادة العامة، بكلام هين وسهل لا يحتمل تأويلاً أو إلتباساً أبداً، وليس فيه ما يعني تفسير ما هو مستور، وهو:

“التمثيل هو دائماً أهون من التعبير، لأن التمثيل شيء جامد يتعلق بما حصل، أما التعبير فغرضه الإنشاء وإدراك شيء جديد. هذا هو الخلل الاجتماعي الذي يريد التفكير السوري الحديث أن يصلحه، تفهّم إرادة الشعب وإعطاؤها وسائل
التنفيذ الموافقة”.
(من خطاب سانتياغو سنة 1940)

لا ندري لماذا أغفل الرفيق حنا علّة الجمود في فكرة تمثيل الإرادة العامة، وأيضاً لا ندري لماذا فضّل فكرة تفسير المستور التي لقاموس المحيط على فكرة الإنشاء وإدراك الشيء الجديد (للخروج من الجمود) في التعبير عن الإرادة العامة، التي لسعاده.

إن فكرة التعبير عن الإرادة العامة بديلاً من تمثيل الإرادة العامة هي فكرة سعاده، وسعاده هو أولى من غيره بتفسيرها وشرحها وإيضاحها. إن سعاده في تفسيره وشرحه وإيضاحه لفكرته لم يأت على مسألة المستور وكشفه، لم يذكر شيء عن إرادة مستورة وكامنة وموجودة فقط بالقوة، في مقابل إرادة ظاهرة وفاعلة وموجودة بالفعل. بل إن سعاده في شرحه كان ينتقد الجمود في تمثيل الإرادة العامة، ينتقد عملية التمثيل والعجز عن التنفيذ، في مقابل الانشاء وبلوغ شيء جديد للخروج من الجمود والشلل، وهذا ما تقدمه فكرة التعبير عن الإرادة العامة. أما وسائل التنفيذ التي يشير إليها سعاده فهي المؤهلات التي يجب أن تتوفر في أصحاب السلطة. المؤهلات هي ما ينقص اصحاب السلطة في الديمقراطية التمثيلية فيمثلون الإرادة العامة تمثيلاً ولا يستطيعون كسر الجمود وتنفيذ هذه الإرادة وتحقيق المصلحة التي هي وراءها. وتوفر المؤهلات في أصحاب السلطة في الديمقراطية التعبيرية هو ما يمكنهم من كسر الجمود والإنشاء وبلوغ الشيء الجديد. إن هذا الإيضاح الذي أفصح عنه سعاده في خطاب سانتياغو سنة 1940 يعززه ويؤكده ما قال به ذاته سنة 1935 في خطابه المنهاجي الأول عندما انتقد فكرة العجز عن
التكييف، أي الجمود، في الانظمة البرلمانية التقليدية، أي في الديمقراطيات التمثيلية، وعندما شدد على أن نظامه مبني على قواعد حيوية تأخذ الأفراد الى النظام وتفتح أمامهم مجال التطور والنمو، أي كسر الجمود، على حسب مواهبهم ومؤهلاتهم.

إن معنى “التعبير عن الإرادة العامة”، أي تنفيذها وتحقيق المصلحة العامة التي كانت وراءها، نجده في كتاب نشوء الأمم العلمي، ولا نجده في القواميس. إن مصطلح “التعبير عن الإرادة” هو مصطلح علمي ينتمي الى علم الاجتماع أكثر مما ينتمي الى أدب اللغة العربية. اللغة تعطيك أحياناً معاني متعددة ومختلفة للكلمة الواحدة، فعليك اللجوء الى صاحب المصطلح، الى الذي تبناه واستعمله، فتستنطقه وتفهم معناه على لسانه هو. في نشوء الأمم إيضاح وافي من سعاده لمعنى المصلحة والإرادة، والتعبير عنهما، اللتان هما في أساس كل متحد اجتماعي. هناك تجد أن التعبير عن المصلحة وعن الإرادة لا يعني مجرد تفسيرهما بل يعني فعل شيء لتنفيذهما وتحقيقهما، وهذا غير ممكن من دون وجود المؤهلات لفعل ذلك.

إقرأ في نشوء الأمم الفصل الأخير، تحت عنوان تحديد المتحد:

  • وما الإرادة إلا التعبير عن الحياة، نحن نريد مصالحنا لأننا نريد حياتنا، والإرادة على قدر المصلحة… المصلحة والإرادة هما قطبا المجتمع فواحدهما سلبي وهو المصلحة، والآخر إيجابي وهو الإرادة، فالمصلحة هي التي تقرر العلاقات جميعها والإرادة هي التي تحققها“.
  • “وبديهي أنه لا إرادة حيث لا مصلحة، فحين يجوع الإنسان يريد أن يأكل وحين يعطش يريد أن يشرب وحين يشتاق يريد أن يحب. فالمصلحة هي طلب حصول إرتياح النفس وتحقيق ارتياح النفس هو غرض الإرادة.”

أما الالتجاء الى قاموس اللغة فيوقعنا في حيص بيص ولن يدلنا على المعنى الحقيقي لفكرة التعبير عن الإرادة العامة ومضامينها الفلسفية الجديدة.

إن اعتماد قاموس المحيط قد أدى بالرفيق حنا الى القول: “التعبير عن الإرادة هو تفسير إرادة مستورة أو كامنة وغير فاعلة، وبالتالي فهي إرادة غير موجودة بالفعل ولكنها موجودة بالقوة!” فأخذ بفكرة التفسير وأغفل فكرة التنفيذ. وهذا يفترض أن لا إرادة ظاهرة وموجودة وفاعلة يجب التعبير عنها. يفترض أن الشعب هو دائماً غير ذي إرادة واعية وغير متنبه لوحدة مصالحه وغير شاعر بها وغير عارف وغير مدرك لمصالحه الحقيقية في الحياة، وهو بحاجة دائمة لمن يكتشف له مصالحه الحقيقية المستورة ويدله عليها ويفسر له إرادته الكامنه غير الموجودة بالفعل!

وهذا التأويل لمعنى التعبير عن الإرادة الذي يأخذ به الرفيق حنا معناه أيضاً أن لا وجود حتى لقومية، حيث القومية هي وعي الشعب ويقظته وتنبهه لوحدة حياته ووحدة مصالحه، وبالتالي وجود إرادة قوية وفاعلة لديه.

بلى، إن الإرادة العامة هي موجودة بائنة وظاهرة وفاعلة في كل متحد اجتماعي، بل في كل أمة إطلاقاً.

فالأمة هي المجتمع عندما يعي وجوده ويدرك مصالحه ويثبت إرادته بالفعل. “ألأمة هي هيئة تحقق فيها الوعي” يقول سعاده. إقرأ سعاده في خطابه في طلبة دمشق 5-11-1948 يقول:

المجتمع الذي بإدراكه وجوده ومصالحه يصير أمة حية وتكون له قومية حية تعبِّر عن رجولة وفاعلية قوية تسيِّره الى أهدافه”. ولا يخفى
أن إدراك المصالح يؤدي حتماً وفوراً لبروز الإرادة الهادفة لتحقيق هذه المصالح.

وأيضاً: “الأمة قبل كل شيء مجتمع، تصير أمة بوعيها لحقيقة مجتمعها ولخطط ومقاصد هذا المجتمع”

وأيضاً: “فحيثما قام مجتمع واحد يكوّن أمة واحدة إذا وعت نفسها، وإذا لم تع نفسها لا تكون أمة بل تكون مطية لأمم أخرى”.

فالإرادة العامة هي دائماً موجودة وفاعلة في الأمة وليست مستورة وكامنة وبحاجة دائمة لتفسيرها. أما عندما تتعرض الأمة لنكبات قاسية لوقت طويل فعندئذ فقط يمكن الحديث عن الكمون والوجود بالقوة وليس بالفعل. وفي ذلك يقول سعاده: ” متى تضاربت الاتجاهات الأساسية في أمة من الأمم واختلفت العقائد والعوامل الثقافية، ولّد هذا التضارب وهذا الاختلاف رأياً عاماً مبلبلاً منقسماً لا يتمكن من الإجماع على قضية عامة أو مصلحة عامة، وزعزع الوجدان القومي الصحيح ومنع ما يسمى في العلوم السياسية الإرادة العامة”. (مقالة الراي العام تاريخ 13-11-1937)

أن هذه الحالة الموصوفة أعلاه هي حالة خاصّة جداً وليست حالة طبيعية دائمة. فتضارب الاتجاهات الاساسية واختلاف العقائد والعوامل الثقافية، متى وقع ذلك، ليس شيئاً طبيعياً عادياً ملازماً لوجود الأمة، بل هو حالة مرض خطير في الأمة يؤدي الى زعزعة الوجدان القومي ويمنع نشوء الإرادة العامة.


أما مع وجود الحزب السوري القومي الاجتماعي “فقد اصبحنا أمة بعد أن كنا قطعاناً بشرية… وأعلنا مبدأً جديداً هو مبدأ الإرادة، إرادة شعب حي يريد سيادته على نفسه ووطنه ليحقق مثله العليا، إرادة الحياة لأمة حية…”. (الخطاب المنهاجي الأول)

وما يزيد من تعجبنا في التفسير الغريب الذي اعتمده الرفيق حنا هو قوله عن حالة تضارب الإتجاهات الأساسية واختلاف العقائد والعوامل الثقافية وبلبلة الرأي العام وزعزعة الوجدان القومي ومنع نشوء الإرادة العامة، أنها حالة ستبقى موجودة حتى مع انتصار النظام القومي الاجتماعي وبعده أيضاً!! إنه يقول:

بدهي أنه إذا كان هذا هو حال “الرأي العام” في الأمة الآن، فهكذا أيضاً سوف يكون حاله مع بدء تطبيق النظام القومي الاجتماعي،بل ايضاً هكذا سوف يبقى حتى زمنٍ ليس بقليل بعده”.

هل بعد تأسيس الحزب وقضيته القومية الاجتماعية يجوز لنا أن نقول أن إرادتنا هي “أرادة مستورة وكامنة وغير فاعلة وغير موجودة بالفعل لكنها موجودة بالقوة”؟ وأن فكرة التعبير عن الإرادة العامة هي فكرة جاءت لإكتشاف وتفسير هذه الإرادة المستورة؟! وهل يجوز أن نعمم هذه الحالة الشاذة على العالم كله ونقول أن الديمقراطية التعبيرية، التي يقول سعاده أن البشرية كلها ستمشي بموجبها، قد أتت لتفسير إلإرادة المستورة للأمم ؟!

لا، إن الديمقراطية التعبيرية ليست “لتفسير إرادة مستورة” بل لتنفيذ أرادة موجودة وظاهرة وفاعلة ولتحقيق مصلحة حقيقية ولكسر الجمود والشلل في الديمقراطية التمثيلية.

لنعد الآن الى “المعضلة الأساسية التي سوف تلاحقنا دائماً، التي هي إيجاد الهيئة الإدارية المعبِّرة عن المصلحة العامة للمجموع الذي تديره، سواءً كنا بصدد التعاونية التي أمامنا هنا، أم بصدد الجمعيات والمنظمات التي سوف تعمل في ظل الدولة القومية الاجتماعية” لنرى كيف حلّها الرفيق حنا وكيف طبّق فيها الديمقراطية التعبيرية، أي لنرى كيف فسّر الإرادة العامة المستورة.

تحت عنوان “تطبيق الديمقراطية التعبيرية في دوائر العمل” قدم الرفيق حنا حلّاً لا نجد فيه شيئاً من تفسير أية إرادة مستورة، بل إننا لا نجد فيه أثراً للديمقراطية بالمرّة، لا التمثيلية ولا التعبيرية. كل ما وجدناه هو أنه يرى الحلّ يكمن في “أن تحل المصلحة المشتركة ليس فقط فوق مصلحة الرأسمالي بل فوق أية مصلحة فردية أخرى لأي شريك من الشركاء، أما تحقيق ذلك فله وجهتان إحداهما ذاتية تستند الى تعهّد الشركاء بالإلتزام به عند التعاقد، والثانية تستند الى ضبط الدولة القومية”.

وإننا إذ تفتش مليّاً بالحل الذي يقترحه الرفيق حنا نعثر على هذا الإقتراح:
يتعهّد المؤسسون، (دون باقي الشركاء)،وقد باتوا الآن الهيئة الإدارية للمشروع، بالأمانة في تحقيق الغاية منه وتنفيذ خطة العمل المرسومة، بتقديم النظام والوسائل الموافقة، بينما يلتزم المقبلون والذين هم العمال والموظفون ومؤجِّروا الأراضي والعقارات، بتقديم الواجب المطلوب منهم، أي الطاعة
لتقديم العمل الذي هم مؤهلون عليه. في هذه العلاقة التفاعلية، تحصل الإدارة على قوة الإنتاج التي تطلبها من الأفراد، لقاء حصول كل واحدٍ منهم على حقه النسبي منها، المتفق عليه”.

يتبين لنا أن الحل المقترح هو: المؤسسون يتعهّدون، والموظفون يطيعون. ولا ندري كيف يكون هذا الحلّ تطبيقاً للديمقراطية التعبيرية!

ليس في هذا الإقتراح- الحلّ تفسير لإرادة مستورة. وليس فيه فكرة التعبير عن الإرادة العامة. وليس فيه أي ملمح من ملامح النظام القومي الاجتماعي الجديد الذي تقدمه الفلسفة السورية القومية الإجتماعية للأمة.

نحن نعتقد أن الحلّ للنزاع القائم بين مصالح العمال ومصالح أصحاب الرأسمال هو في “إنصاف العمل وصيانة مصلحة الأمة والدولة”، هو في تدخّل الدولة وقوانينها التي تضبط توزيع العمل وتوزيع الانتاج معاً.

الرفيق حنا كان بارعاً جداً في تفسير الافكار الرئيسة في المبدأ الإصلاحي الرابع من مبادئ الحزب، لكنه ابتعد عن الصواب كثيراً في فهم معنى الديمقراطية التعبيرية، وتورط في زجها في موضوع لا علاقة لها به ولا علاقة للموضوع بها.

 

في هذا العدد<< مصادر التاريخ السوريالزرّ والعروة – قيس جرجس >>
0 0 votes
Article Rating

You may also like...

Subscribe
نبّهني عن
guest
1 تعليق
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
trackback
3 سنوات

[…] 2020، قدم لنا الرفيق شحادة الغاوي مداخلةً سمَّاها، “قراءة في النص: دراسة الرفيق حنّا الشيتي“؛ شن فيها حملة شعواء على شرحي للديمقراطية […]