غدّة الأخلاق.. أولاً!

Share

نحملُ “النظرة الجديدة للحياة والكون والفن” إلى دكتور العيون. نسطّحها أمام المناظير وأجهزة الليزر، فيصرخ الحكيم: “لماذا تأخرتم حتى اليوم؟ الحدقة مصابة بانفصال الشبكية، وكان من الضروري أن تتصرفوا منذ أن ظهرت علامات الحَوَل والمياه الزرقاء والبيضاء على بؤبؤ العين!”. الطبيب لا يعرف شيئاً في السياسة، لكنه يقول: إن المرض قديم يعود إلى أكثر من سبعين عاماً خلت، عندما أمسكوه يهرب دمه إلى بنوك الأرض، فأعلنوه خائناً، ثم قتلوه وحيداً، بعدما ترددتم أو عجزتم وربما تواطأ بعضكم، عن نصرته وإنقاذه!.

يقول الحكيم، الذي لا يفهم في السياسة، الإصابة تتعلق على الأرجح بانحراف الوتيرة الذي أصيبت به العين منذ عام 1949، عندما تعاقب “الكرادلة” على تحديد مسار البصر والبصيرة، حتى أصبحت العين تدور خارج محجرها الطبيعي، وهي تحتاج اليوم للعودة إلى وجه أمي وأمتي، كي تقوم بدور زرقاء اليمامة بشكل طبيعي!.

الطبيب الذي لا يفهم في السياسة، استغرب كيف مُرّرت التعديلات الكثيرة للدستور. وكيف استُبعد الدماغ من دوره في التحكم بالعين! لماذا تم اغتيال أعضاء كثيرة من الجسد بأيدي أعضاء شقيقة؟ وكيف تُولى الأذرع مهام السير، والأقدام مهمة التصفيق؟ الحكيم قال: كيف ارتضيتم أن تصبح الزائدة الدودية شرعكم الأعلى؟ إنكم مصابون بقصر النظر أيها السادة، ومهددون بالعمى الكليّ، لأنكم لم تعودوا تصعدون قمّةً ولا تتراءى لكم قمم أخرى!.

حملنا “النظرة الجديدة للحياة والكون والفن”، وخرجنا إلى الشارع، أهديناها عصا كي تتلمس الطريق، وكرسياً متحركاً كي تمشي. العين، مليئة بالتجاعيد والكمادات المعقمة وقطرات الدموع الاصطناعية. البعض يقول لابد من زرع حدقة جديدة، وبؤبؤ لا يتأثر بالغباش. والبعض يرفض ويقول إن الأولوية اليوم للذراع والقدم وجهاز الهضم. بينما العين ترفرف تحاول التحديق، كأن أحداً رشّ في صفائها عاصفة من غبار!.

الحكيم، الذي لا يفهم في السياسة، كتب “روشيتة” الدواء مع تعليمات كثيرة على العين الالتزام بها حتى يعود النظر: التحديق في الأفق طويلاً كل يوم.. عودة العين إلى محجرها الطبيعي.. استقالة الأذرع والأقدام من مهام الأعضاء الأخرى.. تدعيم الظهر وتكليفه مهام انبثاق السلطة، حتى لا تبدو الحركة مضعضعة مكسورة الظهر..

أخذنا وصفة الحكيم، الذي لا يفهم في السياسة، وقلنا نصرفها من أكزاخانات الأمة وصيدليات الإسعاف السريع.. الجميع قالوا إن الدواء مفقود لا يباع هنا، فهو مرتبط بخلل هرموني لابد من معالجته أولاً. وأضافوا: عالجوا غدّة الأخلاق أولاً.. عالجوا غدّة الأخلاق!.

0
0