يخلق من الشبه خمسون!

Share

استيقظ حبش على صوت المنبه. فرك عينيه، ثم جال بنظره في الغرفة متسائلاً: أين أنا؟ لقد اختفت المكتبة، وحلت مكانها خزانة للملابس. الحيطان ظهرت زهرية اللون وقد كانت بيضاء، أما النافذة فغيرت اتجاهها من الشرق إلى الغرب.

من وضع شراشف زرقاء عوضًا عن الخضراء؟ وكيف وصلت هذه الطربيزة إلى هنا؟ من ألبسني بيجاما بشعة؟ وكيف بدلوا رائحة المعطر الذي أفضله؟ من أخذ سريري وجاء بهذا التخت؟

فكر حبش، من تكون تلك المرأة التي تناديه كي يشرب القهوة؟ ومن أولئك الأولاد الذين صبّحوا عليه قائلين: بابا.

أخبرهم أنهم مخطئون، وأنّ إشكالاً غامضًا أتى به إلى هذا المكان، وجعلهم يعتقدون أنه “أبو محمد”، فهو لم يتزوج ولم ينجب أطفالاً، ولا توجد في بيته حيطان زهرية اللون، ولا يحب البيجامات الصفراء، ويفضل معطر الياسمين أكثر من النعنع. كما أنه يشرب المتة ولا يحب القهوة على الريق.

أفراد العائلة ضحكوا لخفّة دم حبش. وكانت زوجته تقول “يا أبا محمد لقد تأخرت عن الدوام”. حبش تساءل: هل دبر له أحد وظيفة في الدولة دون أن يدري؟ ناولته المرأة الغريبة ثيابًا من الخزانة. فأكد أنه يكره البدلات الكحلية، ولم يلبس في حياته ربطة عنق. لكن الزوجة الصارمة كانت تعطيه الملابس وتطلب منه الإسراع كي يلحق الباص. كان يقول لهم: يخلق من الشبه خمسون. فيضحكون دون جدوى!

نزل حبش على الدرج وهو يفكر من نقل بيته من الطابق الأرضي إلى الرابع؟ ولماذا حيطان هذا البناء متسخة. من كسر البللور المطل على الحارة. ومن هؤلاء الأطفال الذين يبكون في هذا الوقت المبكر؟

في الطابق الثالث خاطبه أحد الجيران: أراك مبكرًا على الدكان يا أبا سعيد! فرد حبش بغضب: يا أخي، أنت لاشك مخطىء، فأنا أبو محمد جاركم في الطابق الرابع. ولدي زوجة وأبناء، وبيت فيه حيطان زهرية وشراشف زرقاء وعندي بيجاما صفراء. كما أنني أشرب القهوة صباحًا ولا أحب المتة. وأنا موظف عليّ أن أسرع كي ألحق بالباص. يا أخي يخلق من الشبه خمسون!

في الطابق الثاني سألته إحدى الجارات متى سيؤمن بعثةً لابنها سامر أسوةً بابنه ياسر؟ أخبرها بأنه إنسان بسيط لا يملك علاقات تؤمن البعثات، بل لديه دكان في الحارة وأن ابنه اسمه سعيد وهو يعمل في المحل، ولم يسافر في بعثة على الإطلاق. وأضاف: يا أختي، يخلق من الشبه خمسون. فتضحك بأعلى صوتها. ولا تصدق!

يصل إلى الطابق الأول وهو يفكر إن كان سكان هذا المبنى أصيبوا بالجنون! فيباغته أحد الجيران: “مبكر اليوم ع الورشة أبو منير..” يقول له: يا أخي أنا لست “أبو منير” بل “أبو ياسر” وقد أرسلت ابني بعثة للدراسة في الخارج. كما أنني لا أعمل في ورشة، بل أمتلك علاقات تؤمن البعثات! يا أخي يخلق من الشبه خمسون.

في الطابق الأرضي، استقبلته إحدى الجارات بحرارة، وطلبت أن يرسل لها الخبز مع ابنه عادل. فأجاب بأنه لا يملك فرنًا بل يعمل في ورشة للبناء، وليس لديه ابنًا اسمه عادل بل منير. وأكد أنها لاشك مخطئة لأنه يخلق من الشبه خمسون! لكن بلا فائدة.

خرج حبش إلى الشارع، وأصيب بالصدمة. من أين أتى هذا الطريق؟ هل بدلوا أحياء المدينة واستبدلوا السكان، فنقلوه دون أن يشعر إلى هنا؟

في منتصف الدرب، كان هناك مجموعة من الرجال يتجهون نحوه ويصيحون: هاد هوي امسكوه!

هرب حبش. ركض بأقصى سرعة. ومازال يركض حتى اليوم!

عرفتوا كيف؟

0
0