المستثنى بإلا.. ومقتل عدنان المالكي!

Share

لم يبقَ للعرب سوى اللغة للفخر! فمنذ أن اعتقد القوميون العرب أن المعجم دليل على وحدة العالم العربي، ضيّعت الأمة طريقها الاستراتيجي، وخلطت بين الدين والعرق والقومية. “لغتي هويتي” شعار يُكتب على أبواب المدارس الشامية، بينما الجيل يجري بما لا تشتهي رياح الحزب القائد، الذي لا تقضّ مضجعه معدلات الفقر التي دفعت الناس للكفر بالأوطان. ومن طرائف الأمور أن يفرض على الطلبة الاحتفاء باللسان العربي، بينما القلب محطم، والأذرع مقصوصة، والأدمغة في حالة تحجر!

رغم ذلك، نحن العائلة، مدينون للغة العربية، منذ أن بدأ والدي حسن قطريب، كتابة زاويته اليومية الشهيرة في الصفحة الأخيرة بجريدة تشرين الشامية بعنوان “لغتنا الجميلة” لمدة تزيد عن عشرين عاماً. فاستكتاب تلك الزاوية اللغوية كان مصروفنا الشهري في مدينتنا الفقيرة الطاعنة بالبرد على حدود البادية. تلك التي قال الماغوط: “إنها تلهو بأقراطها الفاطمية.. دميتها في البحر وأصابعها في الصحراء”. صحيح أن مبلغ الألف ليرة ثمن استكتاب هذه الزاوية، كان قليلاً كمصروف شهري لعائلة مكونة من ثمانية أولاد، لكن أرجلنا اعتادت أن تمتدّ على حجم حصيرتنا الصغيرة، وجلّ ما كان يرعبنا، أن يقدم أحد رؤساء التحرير على إلغاء هذه الزاوية اللغوية، حتى صرنا، نحن الأطفال، نفهم بالاستكتاب ومواعيد القبض، ومهام أمين التحرير ومدير التحرير، وبتنا نعشق اللغة التي صارت أمّنا ووليّة نعمتنا منذ ذلك الوقت!

لاحقاً، ألّف أبي كتاب “معجم النحو العربي”، واعتقدنا أننا سنقبر الفقر بعده، لكن ثمانين ألف ليرة، مكافأة الكتاب، لم تكن تكفي لترميم بيتنا الطيني المتهالك الذي كان يحتاج إلى “تسييع” كل سنة قبل الشتاء! كنا نستعير التبن من عند جارنا الذي يستخدمه علفاً لحصانه، ثم نجبل بأقدامنا، التبن مع الطين، مثلما كان يفعل السوريون القدماء بالعنب لتحضير النبيذ، بعد ذلك نشتري “الكلس” لدهان الجدران المتسخة برسومات أقلام الرصاص وأقلام “الريم” الاشتراكية الزرقاء. لهذا كله، نحن مدينون للغة العربية، رغم قناعاتنا الفكرية بأن اللغة يمكن أن تتبدل مع الوقت والاحتلالات، فتندثر أو تزدهر أو يحل مكانها لسان جديد!

مدينون نحن للغة العربية، رغم أن أبي الشاعر، اضطر إلى امتهان البحث اللغوي، نظراً لقلة المختصين، ولفرص العمل المتوفرة بهذا المجال، وقد أصدرنا بعد رحيله كتاب “مفاتيح اللغة” الذي كان مسودة مركونة على الرف، أما بالنسبة لشعره، فقد ضاع معظمه بعد رحلة الاعتقالات والملاحقة التي تعرض لها السوريون القوميون منذ الخمسينيات!

لهذا كله، حصل اتفاق ضمني بيننا يقول إن اللغة أمنّا وأبونا. وممنوع على أحد منا أن يكون ضعيفاً باللغة العربية، عرفاناً بالجميل، فهي ربّتنا، ولأن لحم أكتافنا من خيرها!

مدينون نحن للغة العربية، فهي الرتبة التي نالها أبي على حساب وسام الشعر، لكن، ونظراً لأسباب تاريخية، ظل محكوماً بأدوات الاستثناء الكثيرة في معجم العربية، رغم خدماته الجليلة للغة. فلم يستلم منصباً، ولم نقبر الفقر نتيجة مؤلفاته اللغوية كما تخيلنا. حتى عندما رُشح اسمه لإحدى المسؤوليات البسيطة، رفضه المسؤول المعني قائلاً: “قومي سوري.. واسماعيلي كمان”!

طيلة حياته، دفع أبي ثمن مقتل عدنان المالكي! في سجن القلعة والمزة بدمشق، والسجن المركزي بحماه، وسجن القلعة ببيروت. ولم يكد يلتقط مع رفقائه الأنفاس بعد أحداث الخمسينيات، حتى صار انقلاب 1961، وعاد درب العذاب يتكرر من جديد!

رغم كل ذلك، بقيت اللغة أمّنا وأبانا. فقد هربنا من اضطهاد أدوات الاستثناء وأحرف الجرّ والأفعال الناقصة، إلى أدوات العطف والفعل المضارع، قائلين في أنفسنا إن البلاغة ستعيننا في رد الاعتبار والوقوف في وجه نائب الفاعل الذي يلاحقنا كاللعنة من معجم إلى آخر!

لاحقاً، مات أبي، وحملنا نحن دماء عدنان المالكي في رقابنا، ولأن صوفتنا حمراء، كان علينا أن نعيد الصراع نفسه مع المستثنى بإلا. لكن عشقنا للغة لم يتبدل، فحوّل معظمنا حياته إلى نصوصٍ نافرة وعلاماتِ تنوين مدمّاة.

نحن كائنات لغوية. نعتقد أن البشر مجرد نصوص مكتملة أو ناقصة أو قيد التشييد. جميع الاختناقات والأزمات، سببها فقدان النص أو كثرة الأخطاء الإملائية وغياب الصدق فيه. نحن كائنات لغوية، نحلم أن يستعيد الفاعل مجده المستلب من نائب الفاعل والأفعال الناقصة. وحتى ذلك الوقت، سنبقى نقول: سيماهم في نصوصهم!

0
0