فصل الدين عن الدولة: اللاوعي والقرارات الواعية-د عطا السهوى

Share

في منتصف شهر نيسان الحالي، نظّمت جمعية الهلال الخصيب في فرنسا لقاءً حواريا موضوعه “فصل الدين عن الدولة وإزالة الحواجز والفوارق بين مختلف المذاهب والطوائف.” بالتالي، فإن ‏هذه العجالة مستوحاة من ذلك الحوار بالإضافة إلى نقاشات عدة دارت ‏مع مواطنين من مختلف كيانات الوطن السوري (لبنان، فلسطين، الشام، العراق) حول الموضوع نفسه وكيفية إيجاد الطريقة العملية للوصول إلى هذا الهدف. 

‏وأشير بداية، إلى أن استعمال عبارة “فصل الدين عن الدولة” بدلاً من مصطلح “علمانية” (بفتح العين أو بكسرها) سببه اختلاف التأويلات المرافقة للعلمانية. فمعنى العلمانية في اللغة العربية غير محدد وحمّال أوجه، لدرجة أن بعض المفكرين ابتكر كلمة “لائكية” أو “اللاييك” وهي تعريب للكلمة الفرنسية laïcité. ‏فهذا المبدأ الفرنسي يقوم على فصل الدولة عن الكنائس وقد بدأ العمل فيه منذ الثورة الفرنسية عام 1789، ولكنه خسر جولات وصولات مع الكنيسة الكاثوليكية، ‏ولم يُسنّ كقانون دستوري الا في كانون الأول سنة 1905. منذ ذلك التاريخ وهو يعرف بـ “قانون الفصل”، وأهم ما يتضمنه ضمان حرية المعتقد والفكر وممارسة الشعائر الدينية (المادة الأولى) وعدم اعتراف الدولة بأية طائفة أو مذهب (المادة الثانية). 

‏من أهم ما دار في الحلقة الحوارية آنفة الذكر، ضرورة الإجابة عن السؤال التالي قبل الخوض في كيفية الوصول إلى فصل الدين عن الدولة: ‏لماذا يرفض أبناء أمتنا الاستجابة لندائنا بفصل الدين عن الدولة؟ ‏في محاولتنا للإجابة على هذا السؤال بانت لنا عدة عوامل داخلية من اجتماعية ونفسية واقتصادية أهمها:

  1. ‏الفهم الخاطئ لمبدأ “العلمانية” من قبل شريحة كبيرة من شعبنا ‏(الذي مازال يعاني من سيطرة الهويات الدينية المفرِّقة) واختزال هذه الفكرة برفض الدين أو الإلحاد. وهذا ما دفعنا إلى تجنب هذه الكلمة إيضاحا للفرق بين رفض الدين والتدين بشكل عام من جهة، وفصل الدين عن الدولة من جهة أخرى. 
  2. ‏فقدان الثقة بين المواطنين وخوف بعضهم من بعض، أدّيا إلى القول بأن الدولة الديمقراطية ستسمح للأكثرية الطائفية بتسلم زمام السلطة وتجييرها إلى أبنائها وبالتالي إمكانية اضطهاد حقوق أبناء الطوائف الأخرى. لذلك كان يأتي الجواب على سؤال هل أنت مع الدولة المدنية؟ نعم.. ولكن!! ‏أي أن يكون في قانون الدولة المدنية ضمانات تكفل عدم حصول هذا الشيء كأن يكون رئيس الجمهورية من الأقليات إلخ.. ‏مع العلم انه في دولة مدنية ديمقراطية كل المواطنين سواسية أمام القانون. ولكن انعدام الثقة والتجارب المريرة لشرائح واسعة من شعبنا منذ عدة قرون (‏مجازر طائفية، تطهير عرقي اوديني إلخ..) ولّد هذا الخوف في اللاوعي الشعبي (ونحن نعرف أهمية اللاوعي في اتخاذ القرارات الواعية)، مما أدّى إلى تقبل الشعب تجزئة الوطن. على سبيل المثال، عزل الكيان اللبناني وانفصال كردستان في العراق. 
  3. ‏انعدام وجود أي تجربة تاريخية في أي من كيانات الأمة لفصل الدين عن الدولة، تمكِّننا من التعويل عليها للإضاءة على حسناتها للمجتمع ككل ونقله إلى الحداثة الفعلية وليس فقط الشكلية. ‏للمشككين في قولنا هذا أو الذين يعتبرون أن تجربة حزب البعث إن في الشام أوفي العراق هي تجربة علمانية، نقول لهم أنه وبالرغم من إمساك حزب البعث بالسلطة دون منازع لعدة عقود في الكيانين المذكورين، تغاضى، أو بالأحرى لم يُرِد، سنّ قانون مدني للأحوال الشخصية ولو اختياريا. ‏لا بل إن هذه السلطة كانت، ولم تزل، تنظر إلى الشعب كطوائف وملل وتحاول احترام التوازن الطائفي حتى ضمن تشكيلاتها السياسية بشكل لا يخفى على الفاحص النبيه، ما عدا الأمور الأمنية والعسكرية التي كانت من حصة المقربين جداً من ضمن العشيرة أو العائلة الحاكمة.
  4. ‏بالرغم من عدم وجود تجارب للأنظمة الحاكمة لابد من الإقرار بوجود تجربة ناجحة للحزب السوري القومي الاجتماعي الذي نبذ أعضاؤه الطائفية والمذهبية بشهادة أصدقائه وأعدائه. ‏وهذا نابع من عقيدته وفهمه للنهضة ‏الثقافية والاجتماعية. ‏”هكذا نحن القوميين متحررون من كل مهاترات الطائفيين، نتزوج من نحب وحيث يحلو لنا. لا نسأل عن طائفة أو مذهب ‏‏أصدقائنا ورفقائنا ‏أو زملائنا. مقاييس المحبة والاحترام‏ ‏لا تتأثر بالمذهب المدون على الهوية. الإيمان الديني محصور بين المؤمن وخالقه. ‏حرية لا تقدر بثمن.” (منقول عن صفحة إحدى الرفيقات في الحزب. ولكن هل هذا كافي ‏لكي يتنعم بهذه الحرية كل أبناء الوطن! أنظر النقطة السابعة). 
  5. ‏الطريقة الزبائنية ‏لإدارة السلطة في كيانات الوطن تجعل متزعم الطائفة محتكرا لفرص العمل والوظائف في طائفته، ما يحرم من يحاول التمرد عليه من فرص النجاح الاجتماعي أو الاقتصادي ويجعله منبوذًا. 
  6. ‏القراءة الخاطئة للنصوص الدينية خاصة عند أتباع الطوائف الإسلامية المحمدية التي ما زال قسم كبير منها يعتبر أن “الإسلام دين ودولة”.  وإذا قبِل بالأشكال الأخرى للدولة فعلى مضض وبشكل مؤقت إلى أن تنضج الظروف وتهيئ لإقامة الدولة الدينية العتيدة (وهذا ما يعيدنا إلى ‏النقطة الثانية أعلاه حول فقدان الثقة). ‏فاتهم للأسف أن الدولة في الإسلام أنشأت لغرض الدين وليس الدين هو الذي أنشأ لغرض الدولة. (راجع سعاده في مقاله عن الدين والدولة في كتاب المسيحية والمحمدية والقومية صفحة 177 مؤسسة سعادة للثقافة).
  1. في ختام تعداد العوامل الداخلية، لا يسع المراقب الموضوعي سوى توجيه النقد والملامة تجاه “الكتلتين النيابيتين للحزب السوري القومي الاجتماعي” في كل من مجلس النواب في بيروت ومجلس الشعب في دمشق لتقاعسهما عن واجبهما في المجاهرة والإصرار بجرأة على جعل اولويتهما مسألة فصل الدين عن الدولة بدل مسايرة الحلفاء السياسيين والتغاضي عن الموضوع الأساس. بل إن التجربة اليتيمة ‏التي قامت بها الكتلة النيابية في بيروت لإقرار قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية في تسعينيات القرن الماضي، انتهت بتراجع الكتلة عنها ومن ثم أدخلت في الأدراج ولم تخرج منها بعد! الإصرار على قانون كهذا يمكن أن يفتح كوة في هذا الجدار، لكي تعم الحرية التي يتنعم بها القوميون فيما بينهم كل أبناء جلدتهم. 

‏بعد تعداد أهم العوامل الداخلية، ‏لابد من التركيز أيضا على العامل الخارجي الذي يعرقل مسيرة الشعب نحو الدولة المدنية الديمقراطية ويسهل استمرار حكم الطوائف على المجتمع. ‏إنّ فقدان السيادة القومية في شقيها السياسي والاقتصادي هو ما يسهّل تدخل الدول الأجنبية بذريعة حماية هذه الطائفة أو تلك. ولا ننس الكيان الغاصب العنصري الذي يريد للمنطقة أن تكون صورة مستنسخة عن تجربته المقيتة ويعمل لذلك ليلاً نهاراً. 

‏لا مشاحة أن العوامل الداخلية والخارجية تتداخل وتتشعب مع بعضها والحل يبدأ بالتغلب على الصعوبات الداخلية ‏بدل التلطي وراء المؤامرة الخارجية! عندها فقط تهون الصعوبات الخارجية. ‏المطلوب هو ‏العودة إلى ساحة الجهاد الداخلي لبعث نهضة ثقافية (فكر- عقيدة -أخلاق) اجتماعية (إعلام – تربية) اقتصادية، تتكفل بخلق حركة شعبية تذوّب العوامل الداخلية الآنفة الذكر وتسترجع السيادة القومية المفقودة. 

 

 

0
0

0 Comment

Moutaz 28 أبريل، 2020 - 6:24 م

مقال مقتضب واضح وينير كثيراًعلى المساحات المظلمة في أمتنا السورية الآتية من التدين والفهم الخاطئ لفصل الدين عن الدولة وعلمانية الدولة
شكراً صديقي عطا والى المزيد
تحيا سورية

Post Comment