طوروس لا تنتقل إلى إدلب!

Share

الفينيق

عام 2004 وقع رئيس مجلس الوزراء السوري محمد ناجي العطري، اتفاقية لاقامة منطقة للتجارة الحرة مع تركيا، وفي المرحلة نفسها، تم توقيع قرابة 40 اتفاقية اقتصادية بين الجانبين، لكنها لم تصمد حتى عام 2011 حيث تم إيقافها بعد بدء الحرب على سوريا. الصناعيون والتجار السوريون رأوا أن هناك ظلماً تعرضوا له جراء هذه الاتفاقيات، وخلال الأحداث، ظهر وجه آخر لتركيا غير تلك التي وقعت الاتفاقيات رغم استمرار وجود رجب طيب أردوغان في سدة المسؤولية! كانت الاتفاقيات تنطوي على أخطاء استراتيجية، لكن ليس من عادة المسؤولين أن يحاكموا في سوريا، وغالباً ما يفروا مع ثرواتهم المستحدثة بلا محاسبة للأسف!

المشكلة أن سوريا تعمل في السياسة والاقتصاد، بلا وجهة بعيدة المدى، وصناع السياسات فيها، إما إنهم لا يقرؤون التاريخ، أو إنهم يتعاملون كموظفين يحاولون حصد المكافآت قبل انتهاء ولايتهم في المسؤولية! وإلا لماذا يُشعرنا كل ما يجري أننا مخترقون بشكل ما؟ إذا كنا لا ندري فتلك كارثة بالتأكيد. وإذا كنا ندري ولا نستطيع البوح، فالكارثة “أكرثُ”!

تحتاج سوريا اليوم إلى معجزة تخرجها من عنق الزجاجة، فالاختناق الاقتصادي يهدد بتداعيات كبيرة اجتماعية وسياسية وأمنية. فالبلد مثخن بالجراح، ويعاني انهيارات كبيرة على معظم الصعد تقريباً، فهل يمكن أن تشكل القشة التركية انتشالاً للغرقى السوريين؟ مثلما هو الحال للقشة السورية التي يأمل أردوغان أن تشكل نجاةً له في الانتخابات؟

لاشك أن المشكلة تنطوي على أخطاء فكرية وعملية في الوقت نفسه، فالنظرة إلى الأكراد السوريين، استندت إلى النظرية العرقية للقومية العربية، وبالتالي تفاقمت الانقسامات وأوصلت إلى شروخ كبيرة في الانتماء! كما لم يتم تقدير حجم الخطر التركي في الشمال، وهو المغتصب لمساحات شاسعة من سوريا هي كيليكيا واسكندرون. مثلما هو الحال مع الخطر الإيراني المغتصب للأحواز، بغض نظر عن الأنظمة العربية التي لا تريد أن تفتح ملفات أكبر منها لأنها تريد سلتها بدون عنب!

لنعد إلى موضوع اجتماع وزراء الدفاع، السوري علي محمود عباس، والروسي سيرغي شويغو، والتركي خلوصي آكار، ومعهم مديرو المخابرات، فقد أثار التكهنات بما يمكن أن تفضي إليه المباحثات السورية التركية، وهل يمكن أن تشكل انفراجاً للبلدين اللذين تقربهما الظروف الحالية، بعد أن فرقتهما العداوات طيلة أكثر من عشر سنوات.

بالتأكيد، سوريا ساخطة على السلوك التركي طيلة السنوات السابقة عسكرياً وسياسياً، لكن الظروف الاقتصادية الحالية، قد تدفع دمشق للبحث عن مخرج متوازن قدر الامكان، بعد اشتداد قانون قيصر وصدور قانون المخدرات، في ظل وجود معظم الثروات النفطية والغازية خارج سلطة الدولة. فالاتفاق السوري التركي يعني تنفساً اقتصادياً ستسعى إليه دمشق. في المقابل، فإن أي إنجاز يحققه أردوغان على صعيد عودة اللاجئين قبل الانتخابات التركية المنتظرة في حزيران 2023، سيرفع حظوظه في الفوز. فاللاجئون السوريون الذين يصل عددهم إلى نحو أربعة ملايين باتوا يشكلون عبئاً على إسطنبول وتستخدمهم المعارضة كورقة انتخابية ضد أردوغان.

إذن، المصلحة في حصول التقارب موجودة لدى الطرفين، لكن السؤال يتعلق بمدى استعداد كل طرف للتنازل لتحقيق مطالب الطرف الآخر. فسوريا غير قادرة اقتصادياً وخدمياً على استقبال أعداد هائلة من اللاجئين المعتبرين من المناوئين لها. كما أن تركيا لاشك ستصطدم بجدار الرفض الأميركي ضد أي اختراق لقانون قيصر والحصار الاقتصادي.

مصلحة الطرفين واحدة حيال إنهاء “قسد” ووضع حد لطموحات الأكراد التي لا تريدها سوريا ولا تركيا، لكن هل يمكن لدمشق أن تقايض قسد بهيئة تحرير الشام التي تدعمها تركيا في إدلب؟ المشكلة في سياسة الشام أنها غامضة ومتكتمة ويُمنع انتقادها، ولا أحد يدري لماذا لا يخرج مسؤول في الدولة ليشرح للمواطنين عن طبيعة المباحثات وما أفضت إليه وما هي المطالب التي تطلبها كل دولة؟

يقول الشعب للدولة: ضعونا في الصورة، ففي فترة الرخاء والهدوء لم تحسنوا التصرف مع تركيا، فكيف بالحال أيام الحرب والجوع والحصار الاقتصادي؟ قولوا للشعب ماذا يجري واطلبوا منه اتخاذ القرار. هل يتحمل الجوع أم يفضل الاتفاق؟

تصريحات المجتمعين الرسمية، لم تقل الكثير، فالكل قال إن المباحثات كانت إيجابية وقد تركزت على حل الأزمة السورية ومشكلة اللاجئين ومكافحة الإرهاب والتنظيمات المتطرفة. ورغم أن العديد من المحللين السياسيين في الشام بشّروا الناس بانفراجات قريبة، إلا أن أولئك سبق وامتحنوا في فترات سابقة ولم تنجح تحليلاتهم ولا وصفاتهم السحرية للصبر. فعقلية المسؤول الموظف هي ذاتها عقلية المحلل السياسي الموظف الذي يرشّ على الموت بهارات ويريد أن يقنع الناس أنهم في الجنة مع أنهم يحترقون في الجحيم!

الجميع يريد مخرجاً سياسياً مشرفاً، لكن بقراءات استراتيجية مسؤولة عما يحدث لاحقاً، إذا ما أسيء التقدير. صحيح أن الجماهير لا يمكن أن تبتّ جميعها في السياسة، لكن إن التبس الأمر، وأصبح بين الخيارات المرّة، فليترك الأمر للشعب، لأنه هو من سيتحمل التبعات في النهاية.

في المبدأ، لن نساوم باسترجاع إدلب، مقابل التفريط بأرضنا حتى حدود طوروس، ولا نطالب أن نعلن ذلك في الموقف السياسي الآن في المباحثات، لكن أن نتمسك به في التعليم ومناهج التربية وجميع الحقول الأخرى، لأن هذا هو الحق القومي الذي لا يمكن لأحد أن يتنازل عنه. ما يجب على تركيا أن تفهمه بحنكة وذكاء سياسي، أن جبال طوروس لا يمكن نقلها إلى إدلب. وإن لم تصدقوا، فاسألوا منابع الفرات.

لا تهدموا المدجنة كي تصنعوا العجّة. لكن انشغلوا بالقوت اليومي في حدوده الدنيا، لأن ما يضيع اليوم، من الصعب استرداده غداً.

0
0