العلم والحرية والصراع الإنساني التاريخي-د. قيس جرجس

Share

 (نقلا عن صفحته)

حصانان يقودان عربة التطور الاجتماعي السياسي التاريخي لكل المجتمعات القائمة على الأرض، هما العلم والحرية. أي عرقلة وتعطيل لهما أو لأحدهما هو عرقلة لعجلة التطور وإعاقة له، تتجلى بالتخلف والجهل والتقهقر والانقسام والحروب العبثية والقلاقل والنكسات.

العلم – المعرفة يقود عجلة التطور الاقتصادي الذي يضع الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي على أساس جديد من الصراع. فقراءة التطور التاريخي هي قراءة لمراحل الإبداعات العلمية للعقل والأطوار الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على مستوى مجتمعات العالم ككل والتي ترتبت على أساس تلك الإبداعات. فكل إبداع يضع العالم على مستوى جديد من الاجتماع والتنظيم والمصالح والسياسة. من ثقافة المحراث إلى ثقافة البستان إلى ثقافة الأبجدية والتجارة إلى ثقافة الثورة الصناعية وأخيرا ثقافة ثورة المعلومات والمعلوماتية، نتتبع أشكالا وأطوارا جديدة ومستجدة للاقتصاد والتنظيم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

لقد ثبت أن العلم أقوى من التصورات الدينية وخرافاتها السياسية في تنظيم الوجود والاجتماع والسلوك في الحياة. وهناك صراع حتمي لن ينتهي إلا بانتصار العقل والعلم والمعرفة. والذي يراهن على غير ذلك فهو واهم وواهن مهما بلغ الدين من التأثير في عقول الناس كإيديولوجية وعقيدة فاشلة فيما يخص الوجود وتنظيم الوجود على الأرض.

ومع تطور العلم والمعرفة والاقتصاد والاجتماع يتطور الفكر السياسي المهتم في تنظيم وإدارة الموارد البشرية والطبيعية روحيا وماديا، نسبة لتطور المصالح العامة والخاصة في المجتمع وتنوعها، ونسبة لتطور السيادة الشخصية والمجتمعية كانعكاس لتطور شخصية الفرد وشخصية الجماعة من خلال تطور فكرة السلطة الطبيعية والصراع على السلطة في المجتمع.

إن فكرة الدولة وطبيعتها ووظائفها هي أهم تطور حصل في الفكر السياسي المعاصر من خلال مخاض طويل لنظريات وعقائد وتجارب لأمم شتْى. ولكن محرك الصراع الذي أدى إليها، دائما، هو الحرية. الحرية كحق للصراع من أجل الأفضل، كحق للتقدم وكقيمة عليا للأفراد كشخصيات برزت واستقلت، ولمجتمعات قومية وطنية توحدت وامتلكت سيادتها على نفسها أيضا.

إن أخطر ما تواجهه الحرية – بما تعني من حقوق للإنسان كشخصية ذات سيادة وكرامة في جماعة ما وكمواطن في دولة حرة لمجتمع حر معين – أكثر من حجبها، هو تجزئتها وفق الأهواء السلطوية الاستبدادية، ومن خلال فصل الحرية السياسية عن الحرية الفكرية، وفصل تحرير الأرض عن تحرير الإنسان والعكس صحيح.

وطالما أن الإنسان بالفطرة وبالعلم ينزع نحو الاستقلال والتحرر والارتقاء سيبقي الصراع مفتوحا بين الأنظمة الطغيانية التسلطية بأي طبيعة كانت، دينية أو حزبية أو عائلية أو طبقية، وبين شعوبها المحرومة من حقوقها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وكل تحوير وتأجيل لهذا الصراع من أجل الأفضل في المجتمع تحت مسميات صراعات أخرى داخلية أو خارجية هو هروب ونكوص وفشل في كلا الصراعين الداخلي والخارجي. والذي يراهن على غير انتصار الحرية كحق للصراع وحق للتقدم هو واهم وواهن أيضا. وكل مجتمع يعاني الحرمان من حقوقه الإنسانية والسياسية والاقتصادية من قبل أنظمة إلغائية إقصائية تنظر إلى الدولة كمملوك خاص بها فقط سينفجر عاجلا أو آجلا.

لقد شهد العالم بعد ثورة المعلومات تطورا هائلا على كل المستويات. لقد كان العالم منقسما إلى معسكرين: معسكر شرقي تسوده نظرة سياسية للدولة على أنها مملوك حزبي انطلاقا من نظرة اجتماعية مادية للتطور التاريخي أفضت إلى أنظمة طغيانية حزبية أيديولوجية اقتصادية ليس فيها من ملكية إلا ملكية الدولة والحزب الواحد. هذه الأنظمة ألغت الحراك الثقافي الفكري السياسي وحرمت المواطنين من حقوقهم الإنسانية الأساسية. ومعسكر غربي كانت تسوده النظرة الليبرالية الفردية التي اختزلت ملكية الدولة كثيرا وحولتها إلى مؤسسة شرطة داخلية موظفة بيد طبقة الرأسماليين المالكة. وقد راهن الجميع على انفجار الصراع الطبقي في هذه المجتمعات المقسومة انقساما طبقيا حادا نتيجة تمركز الحرمان والفقر في قطب كبير من المجتمع وتمركز السلطة والسطوة والجاه والمال في قطب قليل جدا.

ولكن ما شهدناه أن هذه المجتمعات تطورت وطوّرت النظرة الفردية وطعّمتها بكثير من الإجراءات الاجتماعية الاشتراكية. فطبقة أصحاب المصارف ذهبت في خضم الصراع والحراك القائم إلى البحث عن عقيدة، عن رؤية، عن سلوك يجنّبها الانفجار الطبقي وغيره. فعلى مستوى الصراع على السلطة سياسيا، ولتفادي الصراع العنفي الدموي المدمر على السلطة، تم تطوير السلوك السياسي عن طريق تعزيز الديمقراطية القومية الوطنية وتنظيفها من لوثة الصراع الطائفي والديني على السلطة وتحويله إلى صراع حضاري سلمي عن طريق تأسيس أحزاب ذات طبيعة وبرامج وطنية كالأحزاب الاشتراكية الاجتماعية، وإشراك كثير من شرائح المجتمع المنتجة في الصراع السياسي من خلال الصندوق الانتخابي الحر ولو بقي هناك تأثير لرأسمال صناعي أو تجاري أو زراعي. حدث ذلك في فضاء حضاري إنساني أسسته مروحة واسعة من الحريات وحقوق الإنسان وبالتالي قضت على الثقافة العنفية في كل منظومة العلاقات الاجتماعية.

وعلى المستوى الاقتصادي تم إرضاء الطبقات المنتجة بمشاركتها في الربح كحد أدنى للحياة الحرة الكريمة من خلال ممارسة سياسة الضمانات الاجتماعية الواسعة التي تقضي على كل حرمان في المجتمع. وفي الدولة والمجتمع تم التأسيس لهوية وطنية جامعة لا تقصي من حقوق المواطنة أي جماعة ثانوية في المجتمع ناتجة عن رابطة موروثة مثل الجماعات اللغوية أو العرقية أو الدينية وذلك بفصل الدين عن الدولة.

وبفعل التطور أصبحت الدولة جمعية ومؤسسة الشعب الكبرى لها مكانها المهم والمالك ودورها الموجه والراعي للحفاظ على استقرار المجتمع ووحدته وإطلاق حيويته والدفاع عن حدوده ودعم البحث العلمي وربطه بالتقنية والتنمية في المجتمع. وبذلك كله تم التأسيس إلى ما يسمى ثورة الإبداعات المعلوماتية والانفجار المعرفي.

لم يتم القضاء على رأس المال وعلى الطبقات وهذا شأن طبيعي في تطور المجتمعات. فليس هناك مساواة طبيعية للطاقات والقدرات كاملة بين الإفراد، بل هناك مساواة في الكرامة الإنسانية فقط. أما المساواة التي مارستها الأنظمة الشيوعية كإيديولوجية فكانت قاهرة ومحبطة وضغطت الأعلى إلى الأسفل بدل أن ترفع الأسفل درجات على طريق الأعلى.

في المجتمعات الديموقراطية تم القضاء أو تحديد دور وحركة الرأسمال الوراثي كسبب في نشوء الاستغلال وتمركز رأس المال في عائلات معينة من خلال فرض الضريبة المتصاعدة على تراكم الربح. كما تم إبعاد كل الروابط الموروثة كأساس لبناء حقوق المواطنة في الدولة وبناء الهوية الوطنية، وهذا ما جنّب المجتمع الانفجار الطبقي الذي راهنوا عليه وغيره من الانفجارات كالدينية والطائفية والإيديولوجية والعرقية الناجمة عن حرمان ما أو إلغاء أو إقصاء من حقوق الهوية والمشاركة في الحياة العامة.

وبالفعل بحث الديمقراطيون عن عقيدة اقتصادية اجتماعية واجتهدوا ونجحوا إلى حد مقبول في ذلك. وما هو قائم لا يجسّد تماما ما ذهبت إلية النظرة الليبرالية الفردية في أول انطلاقتها بل هي مطعّمة بكثير من التصورات الاشتراكية والاجتماعية. وبعد ثورة الاتصالات تداعت الأنظمة الحزبية الديكتاتورية المالكة لكل شيء والمانعة لكل حراك وسقطت، وبقيت الأنظمة الديمقراطية الغربية وهي بحالة تطور دائم.

فأمام استحقاق سياسي في بريطانيا وهو الخلاف على البقاء في الوحدة الأوروبية أو الانسحاب، احتكم البريطانيون إلى الانتخابات، ورضخت السلطة للنتيجة وتنحت واستقالت الحكومة والحزب الذي يقودها أمام الآخر البديل. إن خسارة طرف سياسي لخياره لا يساوي الخسارة التي يدفعها الشعب والدولة أمام تعنّت السلطة في التنازل والتنحي للخيار الآخر ودفع المجتمع إلى الانقسام ولعبة العنف والدم وبالتالي الاستثمار السياسي من الخارج لما يحدث.

وبين الغرب المتطور والشرق المتقهقر، بين الانفجار المعرفي والانفجار الدموي العنفي التدميري، وبين مقدّسين هما القانون والعمل من جهة وزحمة المقدسات الدينية والشخصية والنصيّة من جهة أخرى، ما يزال هناك من يراهن على الأنظمة الاستبدادية الاقصائية الالغائية العنفية في البقاء. هذا، بالرغم كل ما جلبته وما صنعته أيديها من حرمان في الحريات ولقمة العيش وتعزيز العنف وثقافة الموروث الديني والطائفي، مع الفقر والجهل والتخلف، وهي لا تتنازل لشعوبها عن حق من حقوقه المستحقة تحت حجة أنه يطمع في المطالبة أكثر، أو بذريعة “المؤامرة” دائمة الحضور، وكأن الدولة ملك أبدي لهم.

ما نشهده من ثورات وانفجارات مهما كانت تسميتها هي بداية عصر جديد في انهيار كل منظومة الاستبداد سياسيا وحزبيا ودينيا. إنه سقوط معنوي مهم للإسلام السياسي بشقيه الشيعي والسني قبل أن يكون سقوط للأنظمة القهرية الاستبدادية السياسية والطائفية. هو سقوط للاستبداد بكل أشكاله الداخلية وللخارجية والاستعماري المهيمن أيضا. والشعب أمام ثنائيات من الخيارات: الموت أو الحياة، الفتنة أو الدولة الجامعة، الحرية أو العبودية.

إن بناء دولة الحقوق والقانون والعدل لكل مواطنيها هو الاستحقاق الذي فشلوا فيه جميعا مهما تستروا بالله والأنبياء والحماية الخارجية. لكن هناك فاتورة ضخمة من الضحايا ستدفع للأسف بسبب تعنّت تلك الأنظمة أولا وبسبب ما خلّفته من مستنقعات آسنة للموروث الديني الطائفي الاقطاعي.

0
0

0 Comment

الوحدة السورية: الضرورة والتحديات-رئيس التحرير – الفينيق 28 يناير، 2020 - 8:19 م

[…] النظرات الخارجية الى الحياة – ومعظمها ديني مذهبي: وهابية، ولاية الفقيه، إخوان مسلمون، إنجيليون أميركيون، كاثوليك فاتيكانيون، أرثوذكس يونان أو روس. هذه هي النظرات الطاغية في مجتمعنا المتناحرة فيما بينها أديانا ومذاهب ضمن الدين الواحد؛ […]

Post Comment