أغرقت سفينتا أم بعد!!-د. هزار الأحمر*

image_pdfimage_print

يتساءل معظمنا ما هو عمل الآثاريين؟ ماهي مهمة العاملين في الشأن الثقافي؟ يتندر الكثيرون منّا حول أسئلة الناس عن عملنا وبماذا نقضي الساعات الطوال من أيامنا. فمن منّا لم يلتقِ بصديق جديد أو بقريب وتهرّب من الجواب على سؤاله: لماذا ندرس الآثار وبمَ يعود علينا هذا العمل الصعب المغبّر؟ قد يعتقد الكثيرون أنه سؤال رجعي ينّم عن جهل، أما خجلنا وتهرّبنا والصعوبة التي نجدها في الإجابة ببساطة فيدل على أنه سؤال في الصميم. يسأل العقل الجمعي وبداهة الإنسان ووعيه أسئلة جوهرية تضعنا وجهاً لوجه أمام ماهيتنا وسبب وجودنا وشغفنا بالحياة.

غالباً ما ينتهي اللقاء بعودة الاثنين إلى حياتهما دون تغيير ما كانت عليه صورة كل منهما في ذهن الآخر قبل اللقاء. لقد التقيا ولكنهما لم يتواصلا أو يتفاعلا مع بعضهما البعض. لم تتغير صورة كل منهما في ذهن الآخر، الأولى صورة من يعمل في مجال الثقافة، أشعث الشعر، المنفصل عن الواقع والمتوحد في كتبه وأسئلته الوجودية. والثانية صورة الانسان البعيد عن الأجواء (الثقافية!) صورة سلبية غير حداثية وغير مثقفة. ليذكّرنا هذا الموقف بتعاليم الرواقية التي تقول، “لا شيء حسن يمكن أن يخرج من أجزاء غير مترابطة متقطعة.”

متى حدث هذا الانفصال وغياب المفاهيم والوضوح في المجتمع السوري؟ أوَ لسنا نحن من كان فلاسفتنا الرواقيين أول من عملوا وأسسوا لنظام فلسفي مترابط، ترتبط فيها علوم المنطق والأخلاق والفيزياء وفق نظام عضوي متبادل الأدوار ومتساوي الدرجات. تتآلف فيه وتترابط أقل التفاصيل مع العقائد الرئيسية بسلسلة متواصلة وغير قابلة للانفكاك.

ما الحل؟ وكيف لكل من هاتين الشخصيتين التكامل مع بعضهما البعض. كيف يمكن لمن درس وحدّد عناصر الشخصية السورية المبدعة عبر التاريخ أن يعود لواقعه ويتواصل ويتكامل مع من يمتلك حالياً في حياته وأرضه وأغانيه ورقصاته وجيناته آثاراً واضحة غير قابلة للجدال من الشخصية السورية المبدعة؟ كيف لنا أن ننهي هذا الإنفصال وتقطيع أشلاء الجسد الواحد!

لنستطيع اقتراح حلٍّ لا بد من دراسة الواقعين العلمي والمجتمعي. وفي المقاربة الأولى للموضوع يمكننا القول إن الواقع الثقافي يفتقد للمنهجية العلمية كما يشكل غياب الرؤية الواضحة والخطط والاستراتيجيات اللازمة لتحقيق الأهداف، سماته الرئيسية. فالآثار والتاريخ والأحداث والفعاليات الثقافية تتم وتُدرس وفق أهواء دينية أو سياسية أو شخصية. حتى الواقع العلمي مشرذم ومتعدّدة مدارسه والمنهجيات التي يستخدمها الباحثون (كل بحسب بلد دراساته العليا). فلم يحصل أن تجمع عدد من الباحثين لوضع منهج علمي مشرقي خاص تُدرس من خلاله حقبة زمنية ما. وتبقى المعضلة الرئيسية هي في غياب الجدوى المجتمعية الكاملة من هذه الدراسات نظراً لانفصال الباحثين عن واقعهم ومجتمعهم في غالب الأحيان حتى لا نعمم تعميماً جائراً.

أما من يمتلك عناصر المستقبل من الشخصية السورية، فإنه إما فقد إيمانه بنفسه وأرضه ومستقبله وهويته ومؤسساته، صار مثاله الأعلى غربيا، وحلمه الهجرة. أو يعيش بفطرته السورية حاملاً همومه المعيشية اليومية التي لا تسمح له بالتفكير بشيء آخر، متأثراً بما يعرض عليه من تشويه بصري سمعي ثقافي مدروس وموّجه. بالطبع دراسة الواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي هي أيضاً تحتاج إلى مؤسسات ومنهجيات علمية لتحليله واستخلاص العبر. فلا تكفي هذه النظرة السريعة لاستبيان كل تفاصيله.

هذه النظرة السريعة تسمح لنا بتحديد موقعنا أفراداً وجماعات على سلم العلم. فإذا اتبعنا فلسفة الرواقيين التي تقول إن العقل يبدأ كصفحة بيضاء عليها كل المعلومات والمفاهيم التي تؤلف العقل وتدعى هذه المرحلة تكوين العقل الراشد، وعندما تنتقل هذه المفاهيم لتصبح مفاهيم مدركة بوضوح ومطابقة للحقيقة، تنتقل بذلك إلى مرحلة نظام العلم، ندرك أننا أفراداً ومجتمعاً ما زلنا في بداية مرحلة العقل الراشد. وندرك أيضا أننا نحاول امتلاك معلومات ومفاهيم دون روابط حقيقية بينها ودون إدراك واضح للعلاقات فيما بينها وللنتائج التي نريد تحقيقها من خلالها. ومن هنا نفهم الانفصال حتى التنافر أحياناً بين الأفراد والمؤسسات والجهات العامة والمجتمعية المتنوعة.

حالنا هذه لم تتغير بعد حوالي القرن من تحديد الفيلسوف أنطون سعاده لعناصر الشخصية والهوية السورية وتأسيس نموذج مؤسساتي يخرجنا من التخبط والفوضى إلى النظام والوضوح. فهل نبقى مكتوفي الأيدي بانتظار أعجوبة ما؟

أما آن لنا أن نسأل سؤالاً مشتركاً يحملنا إلى غد أفضل: كيف يمكن لنا أن نؤسس لمستقبل أفضل بسبب ما فينا مما أُنتج في الماضي وبقيت آثاره في الشخصية السورية والبيئة والآثار. كيف يأخذ الآثاري والعامل في الشأن الثقافي دوره الفعّال والإيجابي؟ يمكن اقتراح حل على مستويين متوازيين غير منفصلين: الأول توثيق ونشر المعلومة الأثرية والتاريخية بطريقة مبسطة وعلمية متاحة للجميع فنكون حققنا توعيةً على مستوى تكوين العقل الراشد ومفاهيمه. الثاني هو تشكيل نماذج نجاح مصغرة في المتحدات الأصغر من عائلة وقرية وحي. نبدع فيها ونجدد ونفعّل اقتصادياً ومجتمعياً عناصر من الشخصية السورية بطريقة جديدة علمية وبسيطة ومبتكرة. فنكون حققنا عملاً على مستوى تحويل المعلومات لمفاهيم مدركة ومطابقة للحقيقة. يمكننا تعداد نماذج نجاح مصغرة مؤسسة على مبادرات علمية فردية بدأت تأخذ دورها في السنوات الأخيرة.

نقول مع زينون المَنْسي مؤسس الرواقية : (سعادة الملاحة كان غرقي)، في إشارة لكون غرق سفينته التجارية المحملة بالبضائع الحدث الرئيسي الذي تفرغ من بعده أكثر للفلسفة. أو ولم تغرق سفينتا وبتنا بحاجة لتخصيص وقت لفلسفتنا وبناء حياتنا السورية التي نريد.

* هزار الأحمر، دكتوراه في علم الإنسان (Anthropology) من جامعة Nanterre في باريس. تعمل كباحثة في دائرة المعارف السورية لعلم الانسان، كما عملت كأستاذ محاضر في “معهد علوم الانسان. تقول عن الباحث في علم الإنسان ما يلي: “إنه شخص يعرف الماضي ويعمل في الحاضر لرسم المستقبل.”

في هذا العدد<< عودة إلى نظام سعاده الاقتصادي-حنا الشيتي*الهمُّ الشامي >>
4.3 4 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments