1

فلننس، فلنوقّع-اسامه عجاج المهتار

 

 

ردا على مقال “نهج فلسطين، نهج التحرير” حول ما سمي بصفقة القرن، وَصَلتنا رسالة ورد فيها بعد تفصيل لمسارات التفاوض “المذلة” على حد تعبير كاتب الرسالة ما يلي: “ربما بعد عشر سنوات، لن نجد ما نفاوض عليه، فالأفضل أن نوقّع ونقبل بما مُنح لنا لأننا لا نملك من أمرنا شيئاً، ولن نملك في المستقبل.”

كانت هذه ثاني مرة أسمع أو أقرأ فيها عبارة كهذه، خلال شهر، من شباب جامعيين بعضهم في الوطن وبعضهم الآخر في المهجر. كذلك جاء في الرسالة نفسها، “علينا ألا ننكر أن القضية الفلسطينية إرثٌ ملّته الأجيال، أجيالنا وأجيال إسرائيل، وإذا وجدت اليوم من يتحدّث بحماسةٍ عن القضية، فاعلم أن هذا سيصبح من مخلفات الزمن البعيد. (خذ نفساً عميقاً)، كل الفلاسفة الذين أعجب بكتاباتهم، هم من اليهود، حتى المفكرين السوريين أو العرب ممن يملكون (فكراً بكراً)، وليس (فكراً هجيناً)، هم من أصول يهودية. طبعاً لا أؤيد إسرائيل، لكن اليهود سيشكلون رافعاً حضارياً للأمة السورية المرتقبة.”

قبل هذا كله، وحين أعلنت الفينيق أنها سوف تفتح ملف الأراضي المحتلة، استلمنا رسالة جاء فيها ما معناه، “انس الإسكندرون وأنطاكيا وكيليكيا. لقد أصبحت تركيةً ولن تعود.” تلك الرسالة دفعتنا لوضع ما سميناه قاموس الفينيق للأراضي المحتلة. مثل هذ الكلام، وحتى الكلام عن فلاسفة يهود يسمعه المرء كل يوم تقريبا من مواطنين في الشارع على سويات مختلفة من العمر والعلم والخبرة الحياتية. المفارقة أن هذه العبارات الثلاث جاءت على ألسنة رفقاء في الحزب السوري القومي، أو شبان تربّوا في بيوت قومية اجتماعية!

هذه الظاهرة تستدعي الوقوف عندها كما استدعتنا للوقوف من قبل ظاهرة “التطيّف” أو “التمذهب” التي نشهدها من قِبل بعض القوميين، مثل الصور التي يرفعونها في بلداتهم للزعيم مع رجال دين، أو في استعمال مراكز المديريات لأغراض دينية ومذهبية، وسواه الكثير. هذه كلها وقائع شهدناها في السنوات القليلة الماضية ولم تلق الاهتمام المطلوب من قبل المسؤولين، لا بل قوبلت بهز الكتفين، وعبارة، “لشو حامل السلم بالعرض؟”

هل الرأي الذي ورد في الرسالة فردي أم مؤشر لظاهرة تنتشر؟ في استقصاء سريع مع عدد من الرفقاء في الوطن والمهجر يتبين لنا أن هذه الظاهرة الانحراف والقبول بالأمر المفعول موجودة في أكثر من متحد. هل مرّ في تاريخ الحزب شيء مماثل لهذا؟ نعم. “الواقع اللبناني” و”النظرة الفلسفية الفردية” وما رافقهما أدتا إلى قيام الزعيم بطرد عدد من قيادات الحزب المسؤولة عن هذه الانحرافات. الأساس هو نفسه: الاستسهال والاستنساب. المشكلة، اليوم، أنه لا يوجد من يحاسب.

هل يجب أن تشغل هذ المسائل بال القوميين؟ طبعا. علينا ان نعرف ما الذي يدفع عددا من الشباب القومي إلى اتخاذ مثل هذه المواقف أولا، ومن ثم وضع الخطط لمعالجتها. فجنوب لبنان ما كان ليتحرر لو ساد مثل هذا التفكير إبان الاحتلال الإسرائيلي؟ وإذا تخلينا، بفكرنا، عن الاسكندرون وكيليكيا وأنطاكية، ألا نتخلى غدا عن إدلب وشرق الفرات؟

لقد كان لنا جواب على ما ورد في الرسالة ننشره فيما يلي.

“رفيقتي العزيزة، لتحي سوريا

لا مشكلة لدي فيما ورد في عرضك لمسار المفاوضات ونتيجته. لدي مشكلة مع هذا القسم من الفقرة الرابعة:” فالأفضل أن نوقّع ونقبل بما مُنح لنا؛ لأننا لا نملك من أمرنا شيئاً، ولن نملك في المستقبل. علينا ألا ننكر أن القضية الفلسطينية إرثٌ ملّته الأجيال، أجيالنا وأجيال إسرائيل، وإذا وَجَدت اليوم من يتحدّث بحماسةٍ عن القضية، فاعلم أن هذا سيصبح من مخلفات الزمن البعيد.”

أنت الشخص الثاني، ومن جيلك، يقول لي مثل هذا الكلام في هذا الشهر. لعلني من مخلفات الزمن البعيد، ولكن لننظر بواقعية، إذ أن هذا ما اعتقد أنك تطلبينه. وفي واقعيتي، سوف استند تحديدا إلى ما تفضلت به عن مسار المفاوضات المذلّة فأسأل: هل أدى توقيع الفلسطينيين في أي من مراحل التراجع إلى الحصول على أي شيء مما وقّعوا عليه؟ الجواب بالنفي. لماذا إذن نتوقع ان نحصل على أي شيء إذا وقّعنا اليوم؟ في كتابي “خوفا من ولكن” هناك مقال أقول فيه ان إسرائيل لا تمانع التوقيع طالما انها غير ملزمة بالتنفيذ. بالتالي، لنفصل بين أمرين: الحق والقوة لتطبيق الحق. إذا لم يكن لدي القدرة اليوم على إحقاق حقي، فلا يعني هذا ان أتنازل عنه.

في التفاوض، هناك مبدأ يقول ألّا تدخل في مفاوضات إن لم يكن وسعك ركل الطاولة والانسحاب ساعة تشاء. بكلام آخر، لا تدخل في مفاوضات من موقع ضعف. مشكلة رعاة أوسلو وما سبقه من مسار تنازلي فلسطيني هو انهم – قيادة منظمة التحرير آنذاك وما تلاها، صدّقوا الوعود العربية والأمريكية، فدخلوا في اللعبة وأصبحوا على لائحة موظفي المؤسسة الإسرائيلية غير القادرين على الخروج من تحت سيطرتها.

أنا إذ أعترف بهذا الواقع أقول إنه لا يُلزمني بالتخلي عن حقي في أرضي، بل العكس، يلزمني بالتمسك به والعمل على بناء القوة التي تمكنني من استرداده.

أما بالنسبة لما ورد عن الفلاسفة والمفكرين والموسيقيين اليهود، فهذا موضوع معقد ولا يمكن النظر له بتبسيط، ولا الوصول الى النتيجة التي تفضلت بها دون تمعّن. إنك تستعملين أسلوب السوريين في المخاطبة (راجعي رحباني المسيح السوري) لناحية المبالغة والقطع والجزم. ومع أني أدرك المقصود من قولك لا بد لي من مناقشته كي لا يصار إلى الظن أنى موافقك في كل ما ذكرت. بالتالي، هل كل الفلاسفة الذين تعجبين بكتاباتهم هم يهود؟ أليس هناك من مفكر واحد سوري أو عربي ذو “فكر بِكر” من غير أصول يهودية؟ أعتقد ان الجواب عن السؤال الأول هو “كلا”، وعن الثاني “نعم”. بالتالي، فإن هذا الإطلاق خطير، ليس لأنهم يهود. فإني كنت لأقول الكلام نفسه لو كنا نتكلم عن أية أقلية. الخطر هو في الأثر الذي يتركه هذا الكلام خاصة على من هم ليسوا على سويتك الثقافية ويتأثرون بك، فيظنون أن ما تقوليه حق بالكلية، فيما الأمر ليس كذلك، في رأيي المتواضع. 

إنها لحقيقة أن عددا ممن تركوا أثرا مهما في الحضارة الغربية، خاصة في القرنين التاسع عشر والعشرين، كانوا من اليهود. ولكن معظمهم كانوا من اليهود المتنورين الأوروبيين نتيجة ما يعرف بــ Emancipation  أي “تحرير أو عتق” اليهود في أوروبا. كان لهذه الخطوة، والتي تمت بتدرج على مر القرون، أثرين واضحين: إنها أتاحت لعدد كبير من اليهود التحرر من وصاية الغيتو واكتساب العلوم كباقي رعايا دولهم، ولكنها في المقابل، أدت إلى تشدد أكبر لدى الحاخامات الذين قاوموا هذا الأمر وتحسّروا على خسارتهم لرعاياهم من اليهود نتيجة الاندماج، Assimilation. بالتالي، فإن عددا من اليهود المتنورين في بريطانيا وغيرها كانوا ضد تأسيس دولة إسرائيل وضد وعد بلفور ولكن هذا موضوع لبحث مستقل.

هل يمكن لليهود أن يكونوا “رافعة حضارية للأمة السورية المرتقبة؟” أولا، إن الأمة السورية هي حقيقة وليست أمرا مرتقبا. إنها أمة واقعة تحت عدد من الاحتلالات ومتفسخة نفسيا ومجزأة سياسيا ولكنها أمة حقيقية. ثانيا، في عبارتك هذه نعود إلى الإطلاق. هل نتكلم عن “كل اليهود” أم بعضهم؟ ولكن لنتجاوز هذه النقطة على صعوبة ذلك نظرا للآراء المتناقضة التي تسود الطيف اليهودي من “ناطوري كارتا” الرافضة دينيا لدولة إسرائيل، إلى عتاة اليمين الإسرائيلي. أقول نتجاوزها فنسأل: أليس شرطا ضروريا لفرد أو مجموعة ان ينظر بعين المحبة والتعاطف والمساواة مع محيطه لكي يتمكن من أن يكون “رافعة حضارية”؟ هل يمكن لجماعة تنظر بقَدَرٍ وتفوقٍ عنصريين على أنها “شعب الله المختار”، وعلى أن “الله” قد وعدها بأرضنا، وأنهم أسياد علينا وعلى سوانا من “الغوييم”، أن تنظر بعين المحبة والتعاطف والمساواة إلينا لكي تتمكن من أن تكون رافعة حضارية معنا، ولن أقول لنا. عليك بالعودة الى سفر عزرا في التوراة وخاصة الإصحاح العاشر الآيات 12-10 لكي تعرفي أية عقدة نفسية وتاريخية تقف عائقا أمام ما تقولين. اقرأي عزرا، واقرأي التفاسير المسيحية له، ثم نتكلم عن الرافعة الحضارية. ولا يجوز ان يفهم من كلامي انه يتعلق باليهود حصرا. إنه يشمل أية جماعة تنظر إلى نفسها نظرة تفوق سواء استندت في ذلك إلى وهم ديني أم مذهبي أم عنصري، وصدقيني ان في بلادنا الكثير من هذه الاشكال. هل يمكن النظر لليمين اللبناني او العنصريين الاكراد أو غلاة الشيعة او السنة أو الدروز أو العلويين “كرافعات حضارية”؟ اترك الجواب لك.

إني افهم انبهارك في بعض ما تقرئين. ولكني أتمنى الا تسمحي للانبهار ان يعمي بصيرتك عن الحقيقة والواقع. لقد أمضيت عمري في دراسة الحركة الصهيونية وتاريخ اليهودية والمؤسسة الإسرائيلية، وأقول لك بكل يقين إن هناك عددا من الشروط الضرورية التي لا غنى للجوالي اليهودية من الأخذ بها، وهذا أمر صعب جدا إن لم يكن مستحيلا، قبل ان يتمكنوا من الاندماج في النفسية السورية والقبول بها وفي النَفَس الحضاري المنفتح الذي مارسته في تاريخها الطويل. هذا لا يلغي العطاءات المذهلة التي قدمها بعض الذين ولدوا يهودا سواء أمارسوا أم لم يمارسوا ديانتهم.

عفوا، كان عليّ أن اطلب منك ان تأخذي نفسا طويلا جدا.

ولتحي سوريا