1

يوميات جندي في “الجيش العربي السوري” يرويها محمد الحصني-الفينيق

ثلاث هزائم

عدت إلى بنيان التشكيل، الذي قمت بتفاديه عند التحاقي بدورة المهام الخاصة. إنما قبل المتابعة في سرد ما يشبه باليوميات، لابد من ذكر نقطتين:

الأولى: أن الاقتراب من أي حدث يشوبه مخاطر الصراحة الناقصة وإمكانية الزلل والهوى ومحدودية الرؤية.

الثانية: أن التفاصيل التي أرويها متواضعة قدر تواضع مسؤوليتي الصغيرة. فمن كان أعلى رتبة مني كان أعلم بالظروف.

لذا، أسجل الأحداث خارج التسلسل الزمني لخدمة القارئ في معرفة واقع الحرب. فسيكون الحديث عن هزائم مختارة من تجربتي تعبيرا عن مراحل مررت بها ولغاية أعرضها في نهاية السرد

الهزيمة الأولى:

هي مهمة هجومية في منطقة خربة الناقوس في سهل الغاب باتجاه تل واسط. وخوفا من قدرة العدو على اصطياد أفراد المجموعة في أرض سهلية، تقرر أن يكون الهجوم عبر ساقية مياه عريضة. كان ترتيب مجموعتي الثانية أو الثالثة في التقدم. اصطدمت المجموعة الأولى بأحد متاريس المسلحين فاستشهد جندي وجُرح ضابط وجنديان.

حكم على المهمة بالفشل منذ البداية، لأن التقدم من معابر يترصدها العدو يشبه الدخول إلى كماشة تقرص اللحم والعظم. وإذا كان عدد الخسائر متواضعاً في هذه المحاولة، فقد كان أكبر عندما حاولت المجموعة تنفيذ نفس الخطة من خلال ساقية أخرى. فللدخول من المعابر المترصدة من العدو أصول عسكرية مغايرة تماماً لما تم القيام به.

الهزيمة الثانية (وهي الأكثر حزناً في نفسي)

انتقلت المجموعة إلى حلب وريفها في منطقة العيس (قنسرين). فبعد أن قام أفرادها بصد هجوم تعرضت له التلة، وتركوا المنطقة للتمتع بإجازة، قام المسلحون باحتلال العيس من جديد. فاقتضت المهمة في غالب الأمر إعادة التحرير في خطة ميدانية لقوتين: الأولى لتسيطر على التلة العالية والثانية لتسيطر على الهضبة الأصغر المجاورة لها.

تركز عمل مجموعتي على الهضبة الصغيرة التي تم السيطرة عليها بشكل شبه نهائي قرابة وصولنا. ولمتابعة السيطرة النهائية ترأست ستة “أسود” من مجموعتي، وصل منهم إلى أقصى يسار الهضبة أربعة فقط بعد أن أصيب اثنان على الطريق. كما أصيب أحد الجنود لحظة وصولنا لنصبح ثلاثة، أضف إلينا ثلاثة جنود كانوا متواجدين من قبل أخبرونا أن مهمتنا هي السيطرة على المتراس الأخير على يسار الهضبة وإسقاطه.  لكنه كان بحوزتنا قنبلة واحدة فقط في حين أن المهمة تقتضي أكثر من ثلاثة جنود وقنبلتين بأقل تقدير. توزعنا خلف المتراس وصرنا نحن وهؤلاء خلف المتراس المعادي الذي يبعد 50 مترا فقط نتبادل إطلاق النار. ثم شاهدت في وسط الهضبة بقية أفراد مجموعتي يحتمون خلف أحد منخفضاتها ويبعدون عن المتراس المعادي حوالي 200 متر. تفاهمنا بالإشارات عن الوضع العام.

بقي الوضع مريحاً حتى ظهرت فوقنا طائرات مسيرة صغيرة. فزاد قلقي عندما شاهدت سيارات دفع رباعي سوداء تتوجه إلى أعلى تلة العيس التي كنا نعتقد أنها تحت سيطرتنا.

بدأت قذائف الهاون المعادية تسقط وبدقة على تجمعاتنا الخلفية أسفل الهضبة. شاهد أحد رفيقاي من بعيد جداً مجموعة تخرج من إحدى المزارع وتدخل في أرض سهلية بيننا وبين العيس مختفية في أعشابها الطويلة. وفجأة أصابتنا قذيفة لا أعلم نوعها دفعتني بقوة ضغطها إلى المتراس. فتحت عيناي لأشاهد أحد رفيقاي مصاب بشظية في مقعدته والثاني قد ظهر عظم وركه وسال دمه كشلال الماء. أما الشباب الثلاثة الآخرون فأحدهم تدحرج إلى منتصف الهضبة وبدأ يحبو فاقد الحس باتجاه العدو، يناديه رفيقه الممزق الملابس أعلى المتراس ليغير اتجاهه، والثالث مقطوع الساقين وشبه محترق. أخبرت مجموعتنا أسفل الهضبة بما جرى، وقررت خلال ثانية حمل صديقي المصاب بمقعدته إذ أن الآخر بحاجة إلى نقالة وإصابته قاتلة. بدأت الطلقات تأتي من أسفل يسار الهضبة باتجاهنا. حملت صديقي وبدأت بالركض وأنا انتظر الطلقة التي ستدخل ظهري. وقعنا وتدحرجنا وعدت لحمله والركض حتى وصلت إلى التفاف يحجب عني الطلقات المباشرة. رميته في حفرة وقفزت فوقه. طلب مني شباب مجموعتنا في أسفل الهضبة تحديد موقعي للقدوم وسحب صديقنا الشهيد، لكني رفضت. رفضت لأنني ببساطة، سقطت في فخ الالتفاف، فأصبحت العودة إلى نفس الموقع شبيهة بالانتحار، وأصبحَت المغامرة بالنجاح منفردا أفضل من التضحية بمجموعة.

أوصلت صديقي لنقطة طبية آمنة وأخبرت من كان في هذه النقطة عن حاجتي إلى نقالة. لكنهم طلبوا مني الانتظار وأنا أعلم أن لكل ثانية تمر ثمنا هو استحالة عودتي. انتظرت دقيقة ثم انطلقت لتبدأ محاولاتي الفاشلة في الوصول إلى الموقع. ألمح لي شباب مجموعتنا عند وصولي أسفل الهضبة أن أعود أدراجي فالمعركة انتهت. لكني أجبتهم أنه على كل منا القيام بواجباته وسنلتقي فيما بعد.

لا أعلم كم بقيت من الوقت أحاول الوصول إلى صديقي، إلى أن شاهدت اثنين من مجموعتي التي كانت في وسط الهضبة، فتفاهمنا بالإشارة لنلتقي في نقطة متوسطة آمنة. أخبرتهم عند اللقاء عن خطورة الوصول إلى موقع صديقي المصاب وأعلموني هم بانسحاب الجميع  ولكننا لم نستطع الوصول حتى إلى الحفرة التي قفزت فيها سابقا.

جلست مشتت الذهن يحثني أصدقائي بلطف على العودة متذرعين بتأخر تدخلنا وبخطورة موقعنا. وفعلاً بدأنا بالرجوع. أخبرت من بقي أسفل الهضبة بالوضع أعلاها، وتابعت المسير باتجاه مدينة الحاضر ملتحقاً برتل المنسحبين.

هناك سببان لهزيمتنا: الأول عودة المسلحين للسيطرة على التلة العالية مما اكسبهم التفوق الناري. الثاني عدم استطاعتنا إسكات نيران العدو غير المباشرة التي كانت تحصد قواتنا بدقة في خطوط التماس والمواقع الأولى لانطلاق العملية.

الهزيمة الثالثة:

تم تكليفنا، أثناء ما أطلق عليه المسلحون ملحمة حلب الكبرى، بالدفاع عن كلية المدفعية. دخلنا إليها وكان الهجوم قد اخترق أحد جوانبها. دخلنا الكلية، ثم تم إرسالنا انطلاقا من مركزنا فيها إلى أحد السواتر لندافع عنها. لكن الذي تبرع بإيصالنا إلى الساتر تاه يمينا ويسارا وسط النيران فتخلى عنا وهرب. فبقينا في حيرة لا نعرف أيهما أفضل: العودة أم البقاء مع المقاتلين إلى أن قررنا البقاء ودراسة الموقف. وبعد أن سيطرنا على أحد الأبنية تبين لنا أنه يبعد 300 متر عن خط التماس المباشر فكان المدافعون في ظهرنا.

جاء الليل وتوقفت أصوات الاشتباكات إذ وصلتنا معلومة أن الكلية خلت من المسلحين . ولكن وصول ضابط منهك ومصاب ليخبرنا عن سيطرة المسلحين على أحد المحارس وأسر ضابط غيّر معادلة الليلة. لاحظت بعدها أن الجيش الذي انتشر معنا في البناء بدأ بالانسحاب فأخبرت مجموعتي أن تنسحب كذلك خلف البناء ريثما أعرف السبب. وعند هذا البناء الخلفي سمعت في الظلام صوت ضابط بدا لي أنه الأعلى رتبة يخبر من يحيط به أن الكلية كليتنا ولن يدخلوها إلا على جثثنا. وفي نفس اللحظة التي تقدمت فيها لأتعرف عليه انصبت كمية هائلة من النيران المعادية على البناء الذي كنا فيه. لقد وصل العدو إليه دون أن نشعر.

انسحبنا من بناء إلى آخر ومن ساحة وسور إلى آخر حتى وصلنا مركزنا، وأخبرنا من شاهدناه في طريقنا بمكان وصول المسلحين. ثم كلفنا بحماية مركزنا على شكل حراسة دائرية طوال الليل.

صباحاً، طُلب منا الانتشار إلى يمين بناء المركز. وكون معظم الأبنية متناثرة وسابقة الصنع استحال حفر طلاقيات فيها بالوسائل اليدوية، فعدنا للمركز نخبر بالأمر ليتم إرسالنا إلى ساتر يشرف على الباب الغربي للكلية بحيث أصبح مشروع 1070 السكني على يميننا، وأصوات الاشتباكات فيه تدل على معركة ضارية.

كانت الأمور هادئة على الساتر ونحن نسمع أصوات الاشتباكات داخل الكلية. أحصينا 12 سيارة دفع رباعي دخلت إلى الكلية من جهة العدو وعلى بعد 2 كم منا. فقمنا بالإبلاغ عنها وطلبنا رشاشا ثقيلا لنتعامل معها لكن استحالت تلبية طلبنا.

بقيت المعركة حتى الثانية ظهراً ممتازة، وبقيت معنوياتنا عالية ونحن نشاهد الطيران يقصف كل مرة في أقل من دقيقة. طلبنا من قيادتنا عدة مرات أن تسمح لنا بالتقدم إلى عدة أبنية تبعد عنا مئات الأمتار لننتشر فيها فنكون أقرب للمعركة، لكنها كانت تستمهلنا كل مرة حتى شاهدنا الطيران يقصف الأبنية نفسها فعرفنا أن ثمة مشكلة ما.

بدأ رشاش ثقيل يطلق النيران على أبنية الكلية وعلى قواتنا بزاوية قائمة متقاطعة مع جهة هجوم المسلحين في الساعة الثالثة، فعرفت أن الكلية ساقطة حتماً وعرفت سبب قصف الطيران العنيف.  فثمة قرار بجعل الكلية مقبرة للمسلحين. اتصل مسؤولنا وأخبرنا أن ننسحب من موقعنا باتجاه الحمدانية لنشكل خطاً دفاعياً جديداً.

للهزيمة في كلية المدفعية أسباب كثيرة أهمها:

– الأعداد الهائلة للمسلحين المجهزين بعتاد نوعي وممتاز.

– خلو الكلية، بدءا من جدرانها الخارجية وصولا إلى الأبنية الأولى، من أي تحصينات دفاعية تسمح بمقاومة طويلة الأمد. كان من المفترض الاستعداد الجيد لتكون الكلية بذاتها خطاً دفاعياً.

– شاهدت عدة اشتباكات داخل الكلية كان المدافعون خلالها يقاتلون ببطولة على يمين ويسار البناء وهي طريقة دفاعية للانسحاب. لكن المقاتل لا يستطيع الثبات في هذه الطريقة الدفاعية أمام العدو إلا إذا كان قراره الانتحار.

– لاحظت منذ اليوم الأول في الكلية ثمة جو من اللامبالاة. كنت أشاهد الجنود والضباط، على بعد مئات الأمتار من خط التماس، يعيشون حياة طبيعية، وكأن خط التماس خلق ليتقدموا منه إلى العدو وليس لينسحبوا إلى خطوط أكثر متانة وتحصينا.

– كان معظم الموجودين في الكلية إما ضباطا كبارا في السن أو جنودا من أصحاب الخدمات الثابتة لعلل صحية أو من المصابين السابقين. بمعنى أن الكلية كانت مكانا للتدريب وليس للقتال.

– تحتوي الكلية على خنادق تدريبية طويلة جداً، أحسن المسلحون استغلالها.

هناك بالتأكيد أسباب أكثر تفصيلاً ودقة ولكنها بحوزة القائد الأعلى الذي يرى الصورة بشكل كامل. ولا صحة لما تم المبالغة فيه عن فرار الجنود من المعركة. نعم ثمة حالات فردية سمعت عنها ولكنها لا تقلب مسار معركة.

للهزيمة في المعارك الدفاعية أو الهجومية أسباب كثيرة، ولكل معركة خصوصيتها في التفاصيل. ولربما أهم هذه الأسباب هو تفوق العدو في التحضير ومقدرته على خلق المفاجآت غير المتوقعة وفشل التصدي لها.

إذا كان التقصير في أداء الواجب أو الإهمال في الاستعداد وعلى مستويات متعددة أحد أسباب الهزيمة، فإن الخيانة لا تندرج تحت مفهوم التقصير والإهمال. للخيانة عندي مفهوم محدد هو التعامل المقصود مباشرةً أو مداورةً مع العدو بهدف تحقيق أهدافه.

وللأسف إذا كان للتقصير وللإهمال في أداء الواجب أثر خفيف في تهديم المجتمع أيام السلم فإن نتائجهما كارثية أيام الحرب والمحن. إنهما أحد أمراضنا الاجتماعية المزمنة والمحزنة وعلى مختلف المستويات. وهما المبرر الوحيد لمرض أشد فتكاً في أطلاق تهمة الخيانة عقب كل هزيمة في معركة ما، حيث تقرأ وتسمع كلاماً غير مسؤول يذكر أسماء ضباط وأحداث سينمائية لا تعرف مصدرها وصاحبها.

إن هذه العقلية المتذرعة دائما بمفهوم الخيانة والناشرة لسمومها الخاصة في وجدان المجتمع وضميره، هي عقلية مريضة لا يملك صاحبها الثقة بنفسه لكي يثق بغيره، عقلية يطلق صاحبها ردود الفعل الجارحة ويستند إلى أوهامه الشخصية وإلى معلومات جزئية مشوهة فيتسلح بفن الكلام وسلطته ويستغل طيبة الشعب المتعطش للنصر.

هل يعرف مطلق التهمة جزافاً أن الشهداء والجرحى في المعركة لهم أب وأم وشقيق وشقيقة وربما زوجة وأطفال؟ هل فكر بإحساس من شارك بهذه المعركة وخرج منها مهزوماً وقد قدم الغالي والنفيس؟ إنها الفردية والأنانية الحقيرة التي تضخمت في الهزائم الخسيسة ولم تعرف في حياتها معنى الهزيمة ببطولة.

يبقى على مختصي الاجتماع والنفس دراسة عقليتين متباينتين في الموقع، لهما نفس السلوك المتوهم وتستخدمان ذات المنطق المريض. العقلية التي يفترض أنها تؤيد الدولة السورية فتطلق تهمة الخيانة عقب كل هزيمة. والعقلية التي يفترض أنها مؤيدة للمعارضة والتي كانت تروج في السنوات الماضية أن الجيش السوري والقوات الأمنية تصفي بعضها البعض عقب كل تفجير. فإذا وجدت بعض الأحداث المتفرقة وقد أثارت الشك في صحة واقعة الخيانة أو التصفية، فإن التدجيل على الشعب ووجدانه الوطني كان النتيجة الحقيقية لسلوكهم.

* ما زلت حتى اليوم اذكر شحوب وجه صديقي وعيناه الهائمتين في الفضاء ورأسه المهتز.