1

نظرة سعاده الى الديموقراطية-الحلقة الرابعة

كيف نطبق الديموقراطية التعبيرية في الحزب وفي المجتمع؟

تتابع “الفينيق” نشر هذه الدراسة عى حلقات، وسنبدأ الآن بالقسم الثاني منها الذي سيمتد على حلقتين.

كيف نطبق الديموقراطية التعبيرية في الحزب وفي المجتمع، أي في المجتمع القومي المصغر وفي المجتمع القومي الواسع؟ وبالتحديد أكثر: كيف نحصل على سلطة وقيادة يتوافر فيها الشرطان الرئيسان اللازمان للديموقراطية التعبيرية، أي أن تكون حائزة على ثقة ورضى وقبول الأعضاء – الشعب من جهة، وأن تستطيع التعبير عن الإرادة العامة أي تحقيقها وتنفيذها من جهة أخرى؟ ما هي الآلية والطريقة لذلك؟ ولنستطيع الإجابة على هذه الأسئلة، لا بد من معرفة بعض القواعد الأساسية التي ينطلق منها النظام القومي الاجتماعي الجديد كما رسمه سعاده.

أولاً –  قواعد أساسية يقوم عليها النظام القومي الاجتماعي

1 – القاعدة الأولى: تلازم العقيدة والنظام. نحن هنا نتكلم عن نظام قومي اجتماعي، نظام خاص معين محدد له خصائصه المستقلة، ولا نتكلم عن أي نظام كان. “إنه نظام قومي اجتماعي بحت لا يقوم على التقليد بل على الابتكار الأصلي الذي هو من مزايا شعبنا” (الخطاب المنهاجي الأول). إنه نظام قومي اجتماعي لأنه منبثق من العقيدة القومية الاجتماعية ونظرتها إلى الحياة. العقيدة أوجدته وقررته وهو وحده يحققها. الحركات العقائدية لا تقتبس نظامها ولا تستورده، بل هي تولده من نظرتها إلى الحياة. وهذا ما يفسر لماذا كان سعاده يطلب ليس فقط طاعة النظام والانضباط فيه، بل كان يطلب من القوميين أن يعتنقوا النظام اعتناقاً، تماماً كالعقيدة. وكان دائماً يقرن النظام بالعقيدة والعقيدة بالنظام.

“أن يدين بالقومية السورية الاجتماعية ويعتنق مبادئ الحزب ونظامه”، هذا كان واحداً من الشروط الخمسة التي يجب أن تتوافر في طالب الانتماء إلى الحزب. وأيضاً: “أن نظام الحزب هو حقيقة بالمبادئ وبالأسس الفكرية التي يقوم بها هذا النظام”. وايضاً: “نظاماً جديداً ذا أساليب جديدة يستمد حياته من القومية الجديدة” (المحاضرة الثانية).

2 – القاعدة الثانية: نظام الفكر والنهج. إن الطاعة والانضباط و”أن أنفذ جميع ما يعهد به إلي بكل أمانة ودقة” لا تختصر وحدها معنى النظام. إن معنى النظام يبدأ من مستوى القانون والانضباط تحت سلطته المادية إلى أن يصل إلى مستوى نظام الفكر أي العقيدة نفسها. كلنا نعرف أنه خلال غياب الزعيم القسري عن الوطن وعن مركز الحزب، قامت السلطة الواقعية في المركز بتغيير العلم والتخلي عن النظام الإداري المركزي كما عن القومية السورية لصالح “الواقع اللبناني”. ونعرف أيضاً أن مجموع القوميين الاجتماعيين، وإن لم يتزحزحوا عن عقيدتهم و”لم يتقيدوا بفكر واحد من هذه الأفكار“، فإنهم لم يقوموا بأية حركة اعتراضية ضدها بل قبلوا بها “بحكم النظام” مما يعني أنهم يومذاك فهموا النظام نظام شكل فقط، فهموه مجرد طاعة وانضباط ولم يفهموه بشموله وتضمنه العقيدة. يومها قام سعاده بتوضيح المعنى الشمولي الحقيقي للنظام، وأطلق أقواله الشهيرة عن أن النظام شأن عميق جداً في الحياة، وأنه يعني نظام الفكر والنهج أولاً ثم نظام الأشكال التي تحقق الفكر والنهج. وقال إن “قبول الخروج العقائدي بحكم النظام، وإن يكن في الظاهر فقط، يكون مسألة من المسائل الخطيرة

3 –  القاعدة الثالثة: القواعد الحيوية. ما يهمنا الآن في هذا الموضوع هو بالتحديد نظام النهج أو الأسلوب والطريقة التي بواسطتها نصنع قيادة للحزب والمجتمع، سمه النظام السياسي إذا شئت، نظام انبثاق السلطة وتوليد القيادة التعبيرية، أي القيادات الحائزة على قبول الشعب ورضاه وثقته من جهة، والتي يتمتع أصحابها بقوى وقدرات ومؤهلات تمكنهم من تحقيق ما يريده الشعب من جهة أخرى .

في موضوعنا الخاص المحدد هذا نقع على وصف النظام القومي الاجتماعي لأول مرة وفي أول وثيقة مكتوبة وهي الخطاب المنهاجي الأول الذي ألقاه سعاده سنة 1935، يقول: “إنه النظام الذي لا بد منه لتكييف حياتنا القومية الجديدة ولصون هذه النهضة العجيبة التي ستغير وجه التاريخ، من تدخل العوامل الرجعية التي لا يؤمن جانبها والتي قد تكون خطراً عظيماً يهدد كل حركة تجديدية بالفساد في ظل النظام البرلماني التقليدي الذي لا سلطة له في التكييف. أزيد أيضاً أن نظامنا لم يوضع على قواعد تراكمية تمكن من جمع عدد من الرجال يقال إنهم ذوو مكانة يقفون فوق أكوام من الرجال تمثل التضخم والتراكم بأجلى مظاهرهما، بل على قواعد حيوية تأخذ الأفراد إلى النظام وتفسح أمامهم مجال التطور والنمو على حسب مواهبهم ومؤهلاتهم“.

هذا الوصف هو نموذج عن كتابات سعاده وأقواله التي يحشد فيها أفكاراً كبيرة وأساسية ويصوغها بعبارات قليلة غنية وواضحة وضوح الشمس.

النظام الذي لا بد منه – هو وحده، لا غيره.

لتكييف حياتنا – التكييف هو التطوير والتغيير وإنشاء الشيء الجديد.

النظام البرلماني التقليدي (أي التمثيلي) لا سلطة له في التكييف، أي لا قدرة له على تحقيق التغيير والتطوير وإنشاء الشيء الجديد.

النظام البرلماني التقليدي (التمثيلي العددي الأكثري) يهدد كل حركة تجديدية بالفساد.

نظامنا مبني على قواعد حيوية، فيها حياة ونمو، تأخذ الأفراد إلى النظام (يتدرجون في المسؤوليات) حسب مواهبهم ومؤهلاتهم، أي إمكانياتهم ورتبهم (الرتب هي شهادات بالمؤهلات).

إن الأساس الفلسفي لهذا الوصف هو في نظرة سعاده الفلسفية إلى الإنسان: “إن عقيدتنا اجتماعية تنظر إلى الإنسان من زاوية الحقيقة الإنسانية الكبرى –

حقيقة المجتمع، لا من زاوية الفرد الذي هو ، بحد ذاته، وضمن ذلك الحد، مجرد إمكانية إنسانية”.

الإمكانية الإنسانية هي الفعالية، القدرة، الطاقة، القوة الإنسانية. الأفراد يختلفون ويتنوعون في مواهبهم ومؤهلاتهم وأخلاقهم وقواهم النفسية والروحية، ويتفاوتون في إمكانياتهم وأنواعها ودرجاتها. هذه هي الخلفية الفكرية الفلسفية التي جعلت نظام الحزب يأخذ الأفراد إلى النظام حسب مواهبهم ومؤهلاتهم وإمكانياتهم. وما المواهب والمؤهلات والإمكانيات غير الشروط التي تؤهل صاحبها لبلوغ رتبة معينة موجودة في صلب مواد دستور الحزب، أي قبل المراسيم الدستورية، موجود نصها في المادة الخامسة منه التي تقول: “نظام الحزب مركزي تسلسلي حسب الرتب والوظائف…”

الرتب ليست أوسمة تبقى مع حاملها ملكاً أبدياً له، بل هي شهادة بمؤهلاته يفقدها إذا أخل بشروطها، أي إذا هبطت مؤهلاته وضعفت إمكانياته. إن فقد الرتبة لهو دليل أنها شهادة بمؤهلات وإمكانيات الفرد التي تخوله وتسمح له بتحمل مسؤولية – وظيفة معينة تتلاءم وتتناسب مع رتبته.

أصحاب الوظائف – السلطات في نظام الحزب ينتقون من أفضل المؤهلين، أصحاب المواهب والمؤهلات، أصحاب القوى المعرفية العلمية والأخلاقية والنفسية والعملية والتجارب، أصحاب  الإمكانيات، أصحاب الرتب التي تلائم درجة وخطورة وظائفهم الدستورية وسلطاتهم.

هذه هي القواعد الحيوية التي تأخذ الأفراد إلى النظام وتفسح أمامهم مجال التطور والنمو والتي يقوم عليها نظام الحزب. هذا النظام لا يقوم على قواعد تراكمية جامدة تمثل التراكم والتضخم بأجلى مظاهرهما، رجال يقفون فوق أكوام من الرجال، ولا يقوم على قاعدة أن هذا ينال عدداً أكبر من الأصوات فينجح وذلك ينال عدداً أقل من الأصوات فيسقط، وأن الحق ليس عددياً، وأن إمكانية الفرد لا تقررها أكثرية ضد أقلية بل يظهرها الفرد هو نفسه ويفرضها فرضاً. لذلك يقول سعاده في المحاضرة الثانية: “إننا نعتقد أن النظام الإنتخابي الحاضر لا يمكن أن يكون الواسطة الصالحة لتحقيق المباديء الجديدة ولتحقيق التغيير أي لنقل الأمة من حياة وحالة  حياة إلى حياة وحالة حياة آخرى لأن في هذا النظام الإستمرار والتراكم هما اللذان لهما اليد العليا على الخلق والفاعلية“. ويقول في المكان نفسه: “أي فرد من أفراد الأمة فيه مبداً حياة هو الذي يهمنا، أكان ذا مكانة تراكمية أم لم يكن، لأن فيه فاعلية الحياة والنمو التي لا توجد في الأشياء التراكمية”.

 

 الحقيقة أنه توجد نصوص صريحة فصيحة تؤكد وجوب وجود رتب عديدة في الحزب، وليس رتبة واحدة وحيدة هي رتبة الأمانة. فبالإضافة إلى ورود كلمة رتب (بصيغة الجمع) في المادة الخامسة من الدستور، نجد في المادة الرابعة عشر أيضاً: “كل من عين في وظيفة أو رتبة يؤدي القسم التالي (قسم المسؤولية)”، وهذا دليل على أن الرتبة هي مسؤولية وليست وساماً.

 بدأ سعاده بإنشاء الوظائف من الأعلى إلى الأدنى، من العمدات إلى المنفذيات فالمديريات. وأنشأ الرتب من الأعلى إلى الأدنى أيضاً، الرتبة العليا أولاً وأعلن رتباً أخرى ولحظها في أعماله الإنشائية قبل أن يكتبها مراسيم دستورية مثل: رتبة العضد ورتبة صدر ورتبة الهام ورتبة العقيد في عمدة الدفاع، ورتبة المجاز ورتبة المذياع العام في عمدتي الثقافة والإذاعة. وفي مرسوم إنشاء لجنة النقد العقائدي ورد أنها مؤلفة من “المجازين” في العقيدة. من منا لم يسمع بالشهيد الصدر عساف كرم ، وبالمذياع العام الرفيق وليم بحليس؟

ثانياً –  كيفية تحصيل الرتب وتأمين شرط الأهلية

أريد أن أكرر هنا أننا في قراءتنا لنظام الحزب لا ننسى أننا نفعل ذلك للإضاءة والتدليل على القاعدتين الرئيسيتين اللتين تقوم عليهما الديموقراطية التعبيرية. وهاتان القاعدتان هما، نكرر: أن تكون السلطة مستمدة من إرادة الأعضاء أي حائزة على ثقتهم ورضاهم وقبولهم، ثم أن تكون مؤلفة من رجال ونساء مؤهلين لديهم القدرة العلمية والعملية والأخلاقية – الروحية على التعبير عن الإرادة العامة، أي تحقيقها وتنفيذها.

يجب أن تبقى هاتان القاعدتان في ذهننا ونحن نبحث في “نظام الحزب المركزي التسلسلي حسب الرتب والوظائف“، وعن الرتب ودورها وعن انبثاق السلطة وكيفيتها. وفي هذا المجال فإن الرتب هي التي تعطي حامليها الصفة التعبيرية وشهادتها، أي القدرة والأهلية والإمكانية للفعل والتحقيق والإنجاز.

   1 –  إذا فهمنا نظام سعاده ومعنى الرتب ومحلّها في هذا النظام، ندرك أن الرتب يجب أن تحصّل تحصيلاً، وتكتسب اكتساباً، وتبنى درساً درساً وبرهاناً برهاناً، يومياً ودائماً في مسيرة نشاط ونضال وصراع مستمر يبنى العضو خلالها  نفسه وينمو ويتطور ويصعد في النظام، ويتدرج في الرتب والمسؤوليات، ولا أحد يعطيه رتبة أو يمنحه إياها منحاً.

 سعاده كان هو من “يمنح” رتبة الأمانة للعضو الذي يستحقها، كما كان هو من يعيّن أعضاء في المجلس الأعلى كونه مصدر السلطتين التشريعية والتنفيذية، وكون الحزب لا يزال في المرحلة التأسيسية ولم تكن قد وجدت كل مؤسساته الفرعية وكل أجهزته الملحوظة في الدستور أنها ستنشأ.

إذا كان سعاده هو نفسه من كان يمنح الرتب، فلا يجوز لنا بعد غياب سعاده أن نفتّش عمن سيتولى “المنح” بعده.  يجب أن نتجاوز مبدأ المنح بعد سعاده وننظر إلى استكمال مؤسسات ودوائر الحزب الملحوظة في الدستور. وهذه وحدها تعطي العضو شهادات يستحقها بناءً على طلبه هو: من عمدة الداخلية، من الندوة الثقافية، من عمدة الإذاعة، من عمدة الدفاع، من عمدة القضاء، خاصة عمدة القضاء، وليس  من مجلسٍ أعلى أو لجنة “منح”!

في الدول الديموقراطية المستقلة لا تتدخل الأجهزة السياسية في البت باستحقاق الرتب العلمية والعسكرية والقضائية، ولا دخل للبرلمانات والحكومات في ذلك، لا صلاحية لها في ذلك.  كذلك لا يجوز أن تتدخل أجهزة الحزب السياسية في ذلك. لا صلاحية للمجلس الأعلى ولا للرئيس ولا لمجلس العمد، كمؤسسة سياسية، في ذلك.

شرط “الأهلية” لا تصدّق عليه سلطات سياسية بل سلطات فنية، مختصة، مدرسة أو جامعة أو معهد قضاء أو شعبة عسكرية إلخ… لكن شرط الأهلية واجب الوجود من أجل تولي السلطات السياسية.

إن شرط الأهلية معمول به في جميع مجتمعات العالم على مستوى المصالح الاجتماعية غير السياسية. سعاده نقل العمل به إلى مستوى المؤسسات السياسية العليا في الدولة، حيث هو أكثر وجوباً وأكثر لزوماً في الديموقراطية التعبيرية. (حاماتي – أفكار – تجربة ناقصة).

إذا راجعنا شروط الأهلية لرتبة الأمانة، الشروط الخمسة، نجدها شروط امتياز في الشجاعة والبطولة والمعرفة والإدراك العالي والحنكة والتجربة والإخلاص والإيمان… فهي يجب أن تتوافر في الذين يقودون إدارة الدولة حيث الدولة هي مؤسسة الشعب الكبرى التي تقرر في مصالحه العامة الأساسية، في مصيره كله.

 فكما أنه لا يحق لك أن تكون رئيساً للجامعة إذا لم تكن دكتوراً، أو للمحكمة إذا لم تكن قاضياً، أو للجيش إذا لم تكن لواء، فكيف يحق لك أن تكون وزيراً أو عضواً في البرلمان أو رئيساً للحكومة أو للجمهورية أو رئيساً للحزب إذا لم تكن أميناً؟ كيف يحق لك أن تكون منفذا عاماً في منطقتك إذا لم تكن مؤهلاً؟  كيف يحق لك أن تكون مديراً لمديرية قريتك أو بلدتك أو ناحيتك إذا لم تكن جديراً؟

2 –  ماذا نقترح؟ لقد إقترح كثيرون من الرفقاء على مدى تاريخ الحزب إنشاء رتب أدنى من رتبة الأمانة لاستكمال الرتب المذكورة بصيغة الجمع في الدستور، ولتطبيق نظام الحزب المركزي التسلسلي حسب الرتب والوظائف. اقترحوا رتباً مثل رتبة الأركان ويسمى صاحبها ركناً، رتبة الصدر ويسمى صاحبها صدراً، رتبة المجازين ويسمى صاحبها مجازاً في العقيدة، رتبة الأهلية، رتبة الجدارة، رتب تتدرج من الأعلى إلى الأدنى أو العكس. وكل موّظف أو صاحب مسؤولية إدارية أو سياسية معينة يجب أن يكون حاملاً لرتبة موازية تلائمها عملاً بنظام الرتب والوظائف، ولتأمين القواعد الحيوية للنظام القومي الاجتماعي الجديد. إذا درسنا الشروط الخمسة لرتبة الأمانة، يمكننا أن نستخرج شروطاً أسهل لنيل رتب أدنى يتقدم طالبها شخصياً لنيلها من مؤسسات الحزب المختصة. مثلاً: من يكون قد مضت سنة كاملة على اعتناقه العقيدة والنظام، متمماً لواجباته المالية، مسدداً ضرائبه (إذا لم يكن معفى منها) وواجباته النظامية، غير متخلف عن واحد من الاجتماعات الدورية والاحتفالات العامة والمهمات الموكولة إليه جميعها، يتقدم لنيل إفادة بذلك من نظارة المالية ثم ناموسية المنفذية ويأخذها لعمدة القضاء، فتحقق هذه العمدة من صحة الإفادات وتمنحه رتبة “جدير” التي تمكنه من شغل وظيفة مدير مديرية أو عضو في هيئة مديرية. وإذا ما ثبت لعمدة القضاء أن الإفادات مطعون بها وغير صحيحة، أوقفت الملف وأحالته إلى المحكمة للتحقيق في أمر الموقعين على الإفادات المزورة.

والذي يكون جديراً (حاملاً لرتبة الجدارة) ويظهر تفوقاً جلياً في الإيمان والإدراك الصحيح للعقيدة والنظام، ويثبت ذلك كتابة أو خطابة أو في أي مساهمة موثقة، يتقدم بطلب للحصول على إفادة بذلك من لجنة النقد العقائدي أو نظارة الإذاعة أو الندوة الثقافية، ويأخذها لعمدة القضاء لتنظر في ملفه وتتحقق من صحته. فإذا ثبت لها أن الإفادات التي يتضمنها هذا الملف صحيحة ووافية، أعطته رتبة الأهلية التي يستحقها، والتي تؤهله ليشغل وظيفة ناظر إذاعة أو ناموس في عمدة الإذاعة أو الثقافة أو أي دائرة من دوائرها. وإذا وجدت عمدة القضاء أن تحقيقاتها قد أوصلتها إلى نتائج توجب الطعن في صحة الإفادات المرفوعة إليها، أوقفت الملف وأحالته إلى المحكمة للتحقيق في أمر الموقعين عليها.

والذي يكون مؤهلاً، أي حاملاً رتبة الأهلية، ويكون مناضلاً ممتازاً بالفكر والفعل في سبيل القضية والعقيدة مجاهراً بها، وقام بأفعال وتضحيات غير اعتيادية في سبيل العقيدة والنظام، ويكون في جميع الظروف السهلة والصعبة مثالاُ في الإيمان بالزعيم والعقيدة والنظام… يتقدم بطلب للحصول على إفادات بذلك من المؤسسات الشاهدة على ذلك، قد تكون عمدة الداخلية أو الدفاع أو أحد أجهزتها، ويرفع ذلك إلى عمدة القضاء التي تمنحه رتبة الصدر أو ركن حسب درجة مؤهلاته…

الصدور هم أبطال الحركة، رتبهم تؤهلهم للمهام التي تقتضي الشجاعة والصلابة في المجالات العسكرية والسياسية وفي المهام السرية الخطيرة والخطرة.  الصدور هم الإداريون والعسكريون ورجال المخابرات المركزية، هم المنفذون العامون، وهم أمّار مخيمات التدريب وقادة الوحدات المقاتلة الذين ينتصرون أو يستشهدون.

الأركان يتصفون بصفات فكرية ونفسية ونضالية وأخلاقية عالية. هم ممثلو الحزب في المجالات التي تقتضي الوعي والصلابة والرجولة، في مجالات السياسة والمفاوضات والاتفاقات، ينتدبون للمهام الحزبية وللأعمال التي تتطلب صلابة في الإيمان وصلابة في الفكر وصلابة في السلوك والأخلاق ومن يكون ركناً ويبرهن عن ثقافة عامة أو متخصصة في مصالح الحياة القومية وقضاياها الاقتصادية أو الحقوقية أو التربوية أو العسكرية أو السياسية أو الدولية، يتقدم بطلب لعمدة القضاء مرفقاً بإنجازاته الموثقة في هذه المجالات أو في أحدها، فتدقق هذه في طلبه وتحيله إلى المحكمة المركزية التي لها أن تصدر حكمها بإعطائه رتبة الأمانة أم لا، أو تحيله العمدة إلى لجنة خاصة تابعة لها للبت به. ولصاحب الطلب حق رفع ملفه إلى المحكمة الحزبية المركزية للبت به إذا لم يكن راضياً عن قرار عمدة القضاء.

 وصف  أحد الرفقاء، لم أعد أذكر اسمه، ديموقراطية سعاده بديموقراطية الإمتحان. هذا الرفيق قد أصاب قلب الحقيقة.

3 –  اين هي الديموقراطية في النظام المركزي التسلسلي حسب الرتب والوظائف؟

لقد رأينا لحد الآن كيفية تأمين شرط الأهلية في أصحاب السلطة، وهذه الكيفية هي لزوم الرتب ومعناها وطريقة تحصيلها. ولكننا لم نر بعد كيفية تأمين الشرط الثاني، وهو حيازة هذه السلطة المؤلفة من المؤهلين، لثقة ورضى وقبول الشعب – أعضاء الحزب. بمعنى آخر، رأينا كيفية تأمين الصفة التعبيرية ولم نر بعد كيفية تأمين الصفة الديموقراطية لهذه السلطة.

في هذا المجال نقول إن نظام الحزب المركزي التسلسلي حسب الرتب والوظائف هو أرقى أنواع الديموقراطية لأن أصحاب الرتب، القيادات على جميع مستوياتها المحلية والمركزية، يحوزون ليس فقط على قبول وثقة واحترام أكثرية أعضاء الحزب، بل على قبول وثقة واحترام جميع أعضاء الحزب.  إن أعضاء الحزب جميعهم، ليس فقط يؤيدون ويحترمون أصحاب الرتب بل يفرحون بهم ويعتزون، يحتفلون بنيل أحدهم رتبة معينة ويفتخرون به. كيف لا أؤيد وأقبل وأثق بقيادة وسلطة رفيقي الذي نال رتبته عن كفاءة وجدارة، عن امتحان، وهو يحمل عقيدتي ويعمل لقضيتي؟ هذه ديموقراطية راقية لا تخالطها دعاية ولا تسويق ولا إعلانات ولا غسل أدمغة، لا أكثرية تربح ولا أقلية تخسر مرة كل أربع سنوات. إنها عملية انتخاب يومية دائمة، عملية امتحان واختبار يومي دائم ليس فيها تزوير ومشاحنات وخصومات وفئويات. فلا أرسطقراطية إذا، ولا فوارق بالحق بالسلطة، بل احترام للإمكانيات والمؤهلات ومزايا الشجاعة والإخلاص والأخلاق، مما يولد ثقة قوية وكاملة لدى مجموع الأعضاء. وهذه الثقة هي أساس ديموقراطي راق وصلب.

في العدد القادم من “الفينيق” سننشر الحلقة الأخيرة من هذه الدراسة، بعنوان: دور الانتخابات في الديموقراطية التعبيرية.