1

نحو استراتيجية مواجهة

اسامه المهتار

“لا يمكنك الانتصار من موقع الدفاع”. (مقولة عسكرية).

في التاسع من كانون الأول 2017، كتب إبراهيم الأمين، رئيس تحرير “الأخبار” الغرّاء، مقالاً بعنوان “المواجهة الشاملة … حتماً”. يمكن اعتبار هذا المقال نقطة تحول إيجابية في مسار العدوان المستمر على سورية الطبيعية، الهلال السوري الخصيب، لناحية كسر هيمنة التفكير الانعزالي الفلسطيني. إنه يقول: “أولاً، التخلص، لمرة أخيرة ونهائية، من مقولة القرار الفلسطيني المستقل. وعدم القبول، تحت أي ظرف، بأن مستقبل فلسطين يقرره شعبها الفلسطيني. وإذا كان البعض سينظر إلى هذا العنوان على أنه اعتداء على سيادته، فليبلّط البحر ليل نهار“.

في الواقع، إن في هذه العبارة دعوة ليس فقط لكسر التفكير الانعزالي الفلسطيني، بل وكل تفكير انعزالي آخر في بلادنا سواء قام على الدين أم المذهب أم العرق أم الطبقة أم تقسيمات سايكس – بيكو السياسية. ونقصد بالتفكير الانعزالي الفكر الإقصائي Exclusive الذي يقوم على استقواء فئة أو أكثر من المجتمع على سواها، والاستئثار بفوائد حصرية لها ولأتباعها وإقصاء كل من عداها من بعض أو كل حقوقها.

إذا كان مصير فلسطين يقرره أحد غير شعبها الفلسطيني، فمن يقرره؟ هل هم “العرب والمسلمون”؟ لا، لنعد إلى مقال الأمين، فهو يقول: “ثانياً، إن التدخل المطلوب، في صياغة الموقف والخطوات الواجب اتباعها لمواجهة المستجد، يعني ببساطة المشاركة في التقييم والتقدير، وبالتالي مناقشة الفلسطينيين في الأولويات المنطقية، والمتصلة ليس فقط بقدراتهم، بل بما يمكن المحيط أن يقدمه لهم اليوم، أو في فترة لاحقة.” عن أي محيط يتكلم الأستاذ إبراهيم؟ لنتابع المقال: “… إن الانتصارات النوعية التي حققها محور المقاومة في لبنان وسوريا والعراق تفرض على القائمين على هذا المحور المبادرة، سريعاً، بإعادة الاعتبار إلى عنوان فلسطين، كأساس لأي سياسات خارجية وتحالفات مع الإقليم والعالم”.

لبنان، سورية، العراق، هذا هو المحيط الذي يتكلم عنه الأمين، هذا هو بيت القصيد.

هذه العبارة، والتي تُعتبر أمراً بديهياً لكل من أمضى عمره عاملاً لتوحيد القرار القومي في سورية الطبيعية، أو المشرق العربي، أو الهلال الخصيب، سمّها ما شئت، يجب اعتبارها نقطة تحول في التفكير لناحية القناعة الأولية أن هذه الوحدة هي ضرورة حيوية، وأن كذبة القرارات المستقلة لدول سايكس – بيكو قد سقطت. ولكننا نقول إن هذه القناعة لوحدها لا تكفي، بل يجب ان ترافقها قناعة ثانية هي أن القرارات المصيرية المتعلقة بهذا المحيط، هي مسؤولية هذا المحيط أولاً، ويمكن لباقي الدول والمنظمات أن تحدد موقفها من قراره، سلباً أم إيجاباً، صداقة أم عداوة.

من هذه القاعدة، قاعدة وحدة القرار والمسؤولية الحصرية لهذا القرار في محورٍ واحد من العراق إلى فلسطين مروراً بالشام ولبنان، ننطلق لبناء استراتيجية مواجهة جديدة، ليس فقط لمواجهة التحدي في فلسطين بل عدد من التحديات الوجودية الأخرى.

علام تقوم هذه الاستراتيجية؟ في ما يلي أبرز العناوين التي سوف نفصلها تباعاً:

في العناوين

أولاً: قيام هيئة للقرار الموحد لمنطقة الهلال الخصيب في القضايا الوجودية الكبرى، وهي قضايا ترقية الحياة في ظل الاحتلال واستلاب الموارد وفي طليعتها مصادر المياه الكبرى في الهلال الخصيب ومصادر الطاقة.

ثانياً: رفض الدولة الإقصائية بكل أشكالها.

ثالثاً: اعتبار فلسطين هي جنوب سوريا (أي جنوب بلاد الشام).

رابعاً: اعتبار المقاومة مرحلة دفاعية مؤقتة لا بد من الانطلاق منها إلى ما يحقق الانتصار وفق أهداف واضحة، وتغيير اسم المحور من محور المقاومة إلى محور المواجهة.

خامساً: تفعيل القوى المغتربة بما يخدم هذه الأهداف.

في التفصيل

أولاً: بغض النظر عن مواقف بعض القوى السياسية في الوطن السوري من دول حليفة وفي طليعتها إيران وروسيا، فإن على محور المواجهة أن يضع في استراتيجيته أن هناك نقاط اختلاف بينه وبين هذين الحليفين تشمل فيما يتعلق بإيران، موضوع الأهواز، والسدود الإيرانية الكبرى على أنهار دولية إيرانية – عراقية تؤدي إلى تصحّر مساحات شاسعة من الأراضي العراقية، وموضوع شكل الدولة ونظرتها إلى الحياة. أما في ما يتعلق بروسيا، فموضوع الخلاف الأكبر هو الموقف الروسي المتذبذب من موضوع دولة عنصرية كردية، والعلاقة الروسية الإسرائيلية.

إننا نفهم المصالح القومية لكل من هاتين الدولتين، ولكن علينا وضع مصالحنا على الطاولة نحن أيضاً، داعين إياهما لفهمها وتقديرها والاعتراف بها.

ثانياً: علينا الاعتراف بأن إسرائيل نجحت في فرض رؤيتها في الغرب، ومؤخراً في عدد من الدول العربية، والقائلة إن إسرائيل هي أولاً دولة يهودية بل هي دولة اليهود في العالم. عملياً، تعمل إسرائيل لأن تكون دولة يهودية صرفاً، وهي مقولة زئيف جابوتنسكي، الأب الروحي لحزب الليكود الحاكم. وهذا يعنى طرد أكبر عدد من الفلسطينيين كلما سنحت فرصة لذلك. والاستمرار في استقطاب أكبر عدد من يهود العالم ليس إلى فلسطين فقط، بل إلى أي مكان تهيمن عليه ما بين الفرات والنيل.

ولكن في المقابل، على إسرائيل وداعميها الاعتراف بأنها حاولت وفشلت في إقامة دولة مسيحية في لبنان، ودولة درزية في منطقة جبل الشيخ (راجع كتاب “قصة الدولتين المارونية والدرزية” من تأليف خالد قطمة، 1985). وأن مشروع دولة “داعش” الذي دعمته قد فشل، وأن مشروع الدولة الكردية الذي تدعمه أيضاً يواجه صعوبات كبيرة. جميع هذه الدول هي دول إقصائية، وهي حاجة إسرائيلية لتبرير إقصائيتها من جهة، ولإبقاء المنطقة في حالة حرب مستمرة على إيقاع إسرائيلي.

نجاح آخر نسجله لإسرائيل هو استصدار عدد كبير من التشريعات الوقائية التي تحميها من خطر النقد والمسائلة والملاحقة القانونية في الغرب. وقد تدرجت هذه القوانين خاصة في أوروبا والولايات المتحدة وكندا وعدد من دول الكومونولث، من تجريم “نفي الهولوكوست”، وصولاً إلى تجريم “انتقاد إسرائيل” تحت ذريعة “العداء للسامية”، وهي تهمة كافية للقضاء على سمعة وتاريخ أي من يوصم بها في الغرب.

انتقاد إسرائيل، بل مقاطعتها ومحاصرتها اقتصادياً كما حدث لجنوب أفريقيا، يجب أن يكون في طليعة الغايات الاستراتيجية.

كيف نواجه الخطوط الدفاعية التي بنتها إسرائيل خاصة لناحية تجريم انتقادها؟

في رأينا نواجهها في إعلاننا رفض الدولة الإقصائية بالمطلق، واستطراداً رفضنا للدولة الدينية أيضاً بالمطلق، كونها حتماً دولة إقصائية. هذا لا يجب أن يأخذ مجهوداً كبيراً. فالغرب إجمالاً مهيئ للقبول برفض الدولة الإقصائية.

لقد كان التفكير السائد في معظم العالم العربي أن مشكلة فلسطين هي مشكلة دينية وقضية مقدسات إسلامية ومسيحية ويهودية. إعلان رفضنا للدولة الدينية من حيث هي دولة إقصائية يعني نزعنا من ذهننا أولاً فكرة القبول بالدولة الدينية. هذا كلام لن يعجب الكثيرين من السوريين سواء الذين يحلمون بدول إقصائية لهم من مسيحية في لبنان وبعض العراق، إلى دولة خلافة سنيّة، أو دولة شيعية على مذهب ولاية الفقيه، أو درزية أو كردية أو علوية. وهذا سوف يتطلب قفزة نوعية في التفكير، ولكنها قفزة لا بد منها. إنها قمة المرائية أن نرفض إسرائيل لكونها دولة دينية يهودية فيما نحن نطالب بدولة دينية شيعية أو سنية أو مسيحية لنا!

وهذا سوف يعني أيضاً، واستطراداً، رفضنا لتدخل رجال الدين في شؤون السياسة والقضاء. وسوف يعني استطراداً، عَمَلنا الدؤوب من ضمن خطة استراتيجية المواجهة إلى إزالة جميع الحواجز الدينية والمذهبية من بين أبناء الشعب الواحد.

هذا الأساس الفكري يجب بناؤه في منطقة الهلال الخصيب، لأنه المنطق الوحيد الذي يمنع الحروب الداخلية الممتصة لحيوية الأمة والمشتتة لقواها. من هذا الأساس، يمكننا التقدم إلى الغرب بمقولة رفضنا للدولة الدينية، ليس لأننا ضد هذا الدين أو ذاك، بل لأن الدولة الدينية لا يمكن لها أن تكون دولة عادلة بسبب إقصائيتها، Exclusivity، وانحيازها لفئة دينية أو مذهبية.

والنتيجة المنطقية لرفض الدولة الإقصائية هي بناء الدولة الشاملة Inclusive القائمة على المساواة والعدالة. بناء الدولة المدنية هو المنطق الوحيد الذي يمكننا من مواجهة دعاية إسرائيل في الخارج وأبواقها في الداخل. وهو الموقف الذي يتيح لنا الطلب إلى الغرب وقف مرائيّته إذ يبني دولاً مدنية ينعم هو وشعوبه فيه، فيما هو يدعم دولاً دينية في بلادنا، نحترق نحن بجحيمها.

ثالثاً: نقطة نجاح أخرى نسجلها للمؤسسة الإسرائيلية هي في عزل فلسطين عن محيطها الحيوي الجغرافي، بلاد الشام، والوطن السوري كله. لا داعي للعودة إلى مطلع القرن العشرين لنرى كيف كان السوريون وبضمنهم الفلسطينيون يعتبرون فلسطين هي جنوب سوريا، كما كان اللبنانيون يعتبرون لبنان جبلاً في سوريا. أهمية إعلان فلسطين جنوب سوريا هو اعتراف بحقيقة تاريخية وجغرافية واجتماعية، تقضي عملياً على كل البلبلة التي نجحت إسرائيل في زرعها في أوساطنا وفي أوساط الغرب، مثل مقولة “عدم وجود دولة فلسطينية” في التاريخ، أو أن أرض كنعان هي أرض الوعد الإبراهيمي، أو كذبة حل الدولتين، أو حل “الدولة ثنائية القومية”، وما إلى هنالك من أراجيف. الأهم من هذا كله، إن هذه المقولة تعطي الحق لجميع أبناء المحيط “للتدخل” في شؤون فلسطين. فمن الصعوبات التي كنا نواجهها في لبنان، مقولة “نحن لبنانيون ولا علاقة لنا بفلسطين”. أما حين أصبحنا في المغترب، فإن الغرب يقول لنا “أنتم لبنانيون فما علاقتكم بفلسطين؟”

إن بلبلة الهوية هذه هي عامل ضعف يجب وضع حد له، وتثبيت هويتنا الواحدة في المجتمع والكتاب المدرسي والجامعات.

إذا ربطنا هذه الحقيقة بما سبق لنا ذكره عن بناء الدولة المدنية، تكتمل الصورة فيصبح الخطاب كما يلي: نحن ندعو لبناء دولة مدنية في منطقة الهلال الخصيب، ولا نقبل بأي فكر إقصائي مهما كانت دوافعه. لقد حاربنا الدولة المسيحية في لبنان، ودولة الخلافة في الشام والعراق، والدولة الدرزية في الجولان وجبل الشيخ، ولا يمكن لنا أن نقبل بأي دولة دينية إقصائية.

ولا شك في أننا سوف نُسأل: ماذا عن الستة ملايين يهودي الذين يقيمون في فلسطين المحتلة اليوم؟ جوابنا هو: نحن مسؤولون عن بناء دولتنا المدنية العادلة واستعادة حقوق شعبنا التي استلبها منهم هؤلاء. حين وفد اليهود بمئات الألوف إلى فلسطين، لم يكن قرار الهجرة إلى بلادنا في يدنا، بل في يد المحتل البريطاني، ومنه انتقل إلى يد المحتل الإسرائيلي الذي بنى دولة إقصائية له. كل هذه هي عوامل أساسية تبنى عليها سياساتنا بالنسبة إلى مشروع الاحتلال ودولته الإقصائية الدينية، وكيفية تفكيكها.

رابعاً: من المقاومة إلى الهجوم. منذ قيام الحركة الصهيونية ونحن في حالة رد فعل، حالة دفاع عامة، تطورت مقولاتها من التحرير الكامل، إلى السلام العادل والشامل، إلى القبول بما يتركه لنا العدو المحتل من فتات، إذا ترك لنا شيئاً. أما أن هذا العدو قد خذلنا في ذلك عبر تسويقه للسلام، وعمله الدائم للحرب والعدوان واحتلال المزيد من الأرض، فهذا قد أصبح من التاريخ المعروف. لقد غاب عن ذهن جميع الذين عملوا للسلام بشكل أو آخر، أن نظرة العدو الإسرائيلي للحياة هي نظرة عنصرية إقصائية، تحرّم عليه دينياً السلام معنا، وتحلل له الكذب علينا وخداعنا بأي شكل لتحقيق أهدافه. من هنا نفهم فشل استراتيجية السلام، بل استحالتها ما لم يغير هذا العدو من نظرته هو إلى الحياة، ولا نراه فاعلاً.

بناء عليه، فإن استراتيجيتنا في التعامل مع العدو الإسرائيلي يجب أن يحكمها منطق استحالة السلام معه وضرورة الإعداد للبدائل من ذلك. أول البدائل يكمن في اعتبار مشروعه الإقصائي الإلغائي خطراً وجودياً علينا وضرورة تفكيكه.

خامساً: المغتربون، من ذوبان إلى قوة فاعلة. إن ما يميز الاغتراب السوري هو سرعة ذوبانه في بلاد الاغتراب. لقد وضعنا دراسة شاملة عن الاغتراب السوري مقارنة بالمؤسسة الإسرائيلية في الخارج تحت عنوان “كل مغترب سفير” فيمكن العودة إليها عبر هذا الرابط. ما يهمنا هو أن تقوم في المغترب قوة تستطيع مواجهة المؤسسة الإسرائيلية في الخارج مواجهة الند للند، وهذا ليس بالأمر المستحيل. ما كان ينقصه هو قيام الصوت الواحد في الوطن الذي يقود محور المقاومة القومية، وليس الفلسطينية فقط، أو العراقية فقط، أو الشامية فقط. مع قيام القرار الواحد، يصبح بالإمكان التفكير في صوت وقوة إغترابية واحدة.

خلاصة

لقد انطلقنا في هذا البحث من نظرة تقول بترقية الحياة في ظل الاحتلال واستلاب الموارد. وأن مسؤولية ترقية الحياة تبدأ من تحديد الهوية القومية لأبناء محيط فلسطين، أي سوريا الطبيعية أو الهلال السوري الخصيب. وأن الخطوة التالية هي الانطلاق من مفهوم المقاومة إلى مفهوم المواجهة الشاملة بما يودي إلى الانتصار. أما الخطوة التالية فهي بناء الطاقات عبر القضاء على العوامل التي تمتص حيوية الأمة، وهي في معظمها عوامل التحارب الديني المذهبي العنصري الداخلي. أما تركيزنا على المغتربات فلأن الكثير من الطاقات السورية منتشرة فيها، ويجب تفعيلها من ضمن خطة عمل استراتيجية واضحة.