1

ما بعد الحزب


 

 

لن نناقش مضمون المقالة هنا، بل نتوقف عند عبارة “ما بعد قومية”. لقد استوضحنا الكاتبة ما إذا كان المقصود هو القومية بالمطلق أم الحزب السوري القومي الاجتماعي، فكان الجواب أن المقصود هو الحزب. ومع أن المقالة تركز في معظمها على الأكثرية المذهبية، “المركز”، والأقليات، “الهوامش”، فإن استنباط صيغ للمواطَنَة قائمة على “ما بعد” الحزب السوري القومي الاجتماعي يجب أن يكون جرس انذار للسوريين القوميين الاجتماعيين قيادات وأعضاء.

لم نبحث مع الكاتبة السبب الذي دفعها إلى مثل هذا الاستنتاج، ولعلها توضحه في مقالة ثانية. ولكن الثابت أن الحزبين، البعث العربي الاشتراكي والسوري القومي الاجتماعي قد فشلا. الأول فشل في إدارة كلا من العراق والشام، اللتين حكمهما لعقود، والثاني فشل في تحقيق غايته وهو يدفع ثمن ذلك تبددا لأعضائه.

لا يعنينا ضخ الحياة في عروق حزب البعث الذي يمتص آخر ما تبقى من حياة في جسد الكيان الشامي عبر فساد مسؤوليه وجشعهم المتزايد على ما تفيدنا الأخبار اليومية. ما يعنينا هو إحياء الحزب السوري القومي الاجتماعي وإعادة بنائه. وفي هذا سوف ننطلق من الأساس الذي قام عليه الحزب، ومن واقع حاله اليوم.

الأساس الذي بُني عليه الحزب هو أساس علمي سليم. إنه الواقع الاجتماعي، الأمة، الناس الذين يعيشون في هذه البقعة من الأرض التي اسمها الوطن السوري، والمصالح التي تربطهم بعضا ببعض. ما يفرّق فكرًا عن فكر وحزبًا عن حزب، في نهاية المطاف، هو الدولة التي تدير شؤون المجتمع، وشكلها، والنظرة التي تنطلق منها. دور الحزب هو في تقديم نظرةٍ لحياة الناس ومصالحها، ومن ثم وضع برنامج عملي لتحقيقها والمحافظة عليها وترقيتها. النظرة التي توخاها سعاده لأمته هي، وبكل بساطة، “حياة أجود في عالم أجمل وقيم أعلى”، وقد وضع برنامجا عمليا لتحقيق ذلك هو غاية حزبه. فَشَلُ الحزبِ يكمن هنا، أي في عدم وضع الخطط والمشاريع لتحقيق غايته وبناء الطاقات المطلوبة لذلك. ولا يَكفي تقديم الحزب الاعذار والمبررات لكي يُعفى من مسؤوليته. فالتاريخ لا يحكم على النيات بل الأفعال. هكذا علمنا سعاده.

إن الرأي الذي عبّرت عنه الكاتبة في عبارتها ليس رأيا يتيما، إنه واقعل الحال لدى قسم من القوميين الشباب. ونحن نسمعه بأشكال مختلفة خاصة ممن هم في نهاية العشرينات ومطلع الثلاثينات من عمرهم، أي الجيل الذي يجب ان يكون في وضعية التأهيل لتنكب المسؤوليات العليا. ما نسمعه هو تشكيك بعقيدة الحزب وجدواها، وفي غايته وإمكانية تحقيقها. ولا نعتقد أنهم يلامون في ذلك. فعدا عن غياب العامل الحزبي الثقافي لسنوات طوال، نجد أن القيادات التي تدير شؤونهم تكبرهم سنا بعقود، وهي قيادات، بالرغم من فشلها، تتكبش بالسلطة ولا تتخلى عنها. إنها قيادات تتعامل معهم بفوقية فلا تسمعهم ولا تحاول فهم نفسيتهم. إنها تتعامل مع جيل الغد بأدوات الأمس فتزداد القطيعة. وعوضا من أن تكون تلك القيادات جسرا يصل الماضي بالمستقبل، أصبحت ثقوبا سوداء تكاد تبتلع الحاضر والمستقبل.

هل يمكن ضخ الحياة في عروق الحزب؟ هناك محاولات. هل تنجح؟ هذا يتوقف على مدى قدرة أصحابها على الاستمرار في وجه كل التحديات التي تواجهنا كمجتمع وحزب. ولعل في الندوات الثقافية التي تقام من أكثر من جهة ما يدفع للأمل. ذلك أنها تغوص في فكر سعاده فتدرسه وتحلله وتقدم لنا فهما جديدا له في أساسيات تفكيره، في المجتمع والمصالح والاقتصاد والدين والدستور والدولة، وفي الإدارة.

هل هذا كاف؟ كلا. فالدراسة شيء والتطبيق شيء آخر. لنتوقف قليلا عند الإدارة.

من معرفتنا بواقع الحزب الإداري، يمكن لنا القول إنه واقع متخلف كثيرا عن العصر وعن الغاية التي من أجلها أُنشأت الإدارات الحزبية. ولا نتكلم هنا عن تقنيات الإدارة الحديثة، بل نتكلم عن مفهوم الإدارة العامة، أو الخدمة العامة Public Service، إي إدارة الدولة ومتطلباتها من طاقات بشرية مؤهلة ومدربة، مضافا إليها متطلبات إدارة مؤسسة عقائدية من مستوى الحزب السوري القومي الاجتماعي وغايته. هذا أمر سوف يحتاج إلى بحث مستقل.

نعود إلى عبارة “ما بعد القومي”. العامل الإيجابي والذي هو لصالح فكر سعاده، بغض النظر عمّن يحمله تنظيميا، هو أن “الصيغ ما بعد أيدولوجية ما بعد بعثية/ما بعد قومية” لا بد لها وأن تنطلق من نفس الواقع الاجتماعي الذي انطلق منه سعاده، ويجب أن يكون لها نفس النظرة العالية التي كانت له: “حياة أجود في عالم أجمل وقيم أعلى”، وعليها العمل لانتصارها. فإن لم تفعل، سوف يجد أصحاب هذه الصيغ الجديدة أنفسهم في نفس المكان الذي يجدون فيه حزب البعث والحزب السوري القومي الاجتماعي اليوم، وسوف يأتي جيل جديد ينظر وقتها إلى صيغ ما بعد الصيغ.

إننا في سباق مع الزمن نحتاج فيه إلى الشباب الواعي. الشباب اليوم في مكان آخر، التحدي هو استرداده.