شكر واجب – ربى عطية

image_pdfimage_print

نقلا عن صفحة ربى عطية

لا يسعفني قلبي للكتابة عن والدتي، د. حياة الحويك عطية، بعد. لكنني اكتب الآن عنها وعن الاردن، بمعزل عن كلية إنتاجها. هذا البلد الذي نزح اليه اهلي ابان الحرب الاهلية بعد ان دفعوا ثمن موقفهم من النظام الطائفي تهجيرا ومصادرة وملاحقة جسدية. البلد الذي كبرنا فيه في حضن من الاصدقاء والمثقفين والمبدعين الاردنيين والعرب الذين حلوا في عمان كلما ضربت ريح احدى بلداننا. كان هناك دوما مزيج غريب: أهلي في المعارضة الناشطة ضد مشاريع التسويات والتنازل والتنازعات الاقليمية، مستجوبون وممنوعون من العمل او السفر في اوقات كثيرة. لكن الشعور الباطن كان دوما بأن النسيج التحتي للبلد محمي بقيم عائلية اقوى من الاعتبارات الاخرى. الشهامة، النخوة، العزوة، لم تصبح، رغم كل شيء، كلمات بالية عند الاردنيين. خرّجت امي اجيالا في الاردن، وكتبت ادب رحلات أثري عنه مكتشفة ما لم يوثقه أحد قبلها، ثم توجت ذلك بمسرحيتها الدائرة، التي بنى لها سلاح الهندسة في الجيش الاردني انشاءات في قلعة عمان لتناسب عرضا مسرحيا ضخما. شاركت بأبحاثها في الجمعية الفلسفية الاردنية، كتبت في الصحافة السياسية والنقد والادب وكانت مؤسسة في فعاليات ثقافية ومهرجانات عدة والقسم الفرنسي في التلفزيون والإذاعة، ونظرت في علوم الاعلام ما نقلته لطلابها مانحة اياهم اول مرجع عربي في جيوبوليتيك الاتصال والفضاء العام، وكان بيتها مساحة مفتوحة لأبنائها الكثيرين من الشباب الذين رأت فيهم تميزا.

في مرض امي الاخير اثناء زيارتنا للقاهرة، لم ابلغ احدا بوضعها قبل ان تستقر بشكل يسمح لها بالسفر، ولم يخطر ببالي ان جهة رسمية قد تنقل امي، غير الاردنية بجواز السفر، نقلا طبيا خاصا الى عمان. لكن مكالمة من صديقتنا الروائية كفى الزعبي كانت كفيلة بأن ينتشر الخبر الى وزارة الثقافة ثم الخارجية ثم الى الديوان الملكي. كنت ابحث عن رقم سفيرنا في القاهرة الاستاذ أمجد العضايلة حين هاتفني هو. لم يكن الكلام عن فكرة النقل الطبي الخاص المنوط بالديوان الملكي والقوات المسلحة، بل كان مباشرة عن التفاصيل المطلوبة، وإذا ما كان النقل ممكنا عبر الملكية الاردنية او بحاجة لطائرة اخلاء خاصة. لا تعرفيني بوالدتك، قال لي السفير العضايلة، انا اعرف عنها أكثر من ذلك بكثير، كل ما هنالك هو الترتيبات. كان ذلك مساء، ليعود لي في صباح اليوم التالي: صدرت ارادة ملكية سامية بنقل والدتك نقلا خاصا، على طائرة اخلاء الى الاردن. كانت والدتي قد فارقت الحياة، لكنها علمت من النائب طارق خوري قبل وفاتها بالقرار وبحجم الاهتمام والفزعة الاردنية على كل المستويات، فنامت مبتسمة منتظرة ان تنقل في الصباح الى عمان حيث بيتها، ولم تستفق.

والدتي، ابنة الفكر السوري القومي الاجتماعي، لبنانية الجنسية ومعارضة، كان لها من الاردن الرسمي ان تموت وهي تشعر بالتقدير من دون طلبه.

 

في هذا العدد<< السابقة – رئيس التحريراقتراح نظام للرقابة – د. ضياء حسان >>
5 1 vote
Article Rating

You may also like...

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments