1

شرطيٌّ يسكن في رأسي!!

يسكن في رأسي شرطيٌّ برتبة مساعد أول!.

في البداية، احتلَّ المطبخ بحجة الإشراف على طهو النصوص والاطمئنان إلى خلوّها من ملح السياسة وبهارات الديموقراطية ودسم الحرية والشرحات “المطفّاية” بالتوزيع العادل للثروة .. ثم كبرت الخسَّة في رأس هذا الشرطيّ الغيور على المصلحة العامة، فاستعانَ بموظفينَ من كلّ الجماعات كي يضبطوا الكلمات إذا ما تمرّدت وحاولت الخروج حرّةً من المخيخ!.

النقاباتُ أرسلتُ مندوبينَ إلى رأسي للمشاركة في أعمال المراقبة، وكذلك فعل حُماة البيئة وأحزاب الجبهة الوطنية ومؤسسات حماية المستهلك وغرف التجارة والوزارات والطوائف التي هرعت هي الأخرى إلى إرسال رجالٍ بِلِحَى طويلة وجلابيات مع عمائمَ سوداء وبيضاء كي يتأكدوا من مطابقة نصوصي للشريعة وعدم تعرضها لمصالح المؤمنين الذين يقودونهم بخطا ثابتة إلى الجنة.. حتى مكاتب الدعارة أرسلت قواداتٍ يراقبنَ عملية انتاج النصوص في دماغي بحيث لا تمسُّ العباراتُ أقدمَ مهنةٍ في التاريخ!. البلدياتُ ومخاتير الأحياء وأصحاب الصيدليات المناوبة والمهربون والصيارفة، أرسلوا أيضاً ممثلين من جهتهم كي يضمنوا أن تفكيري يسير على خير ما يرام!.

الجميع يريد أن تكون نصوصي طبخات بحصٍ بلا فليفلة حارّة عند انتقاد الدين، ومن دون شرحات “ليّة” عند الحديث عن الجسد، وبلا مازاوات أو موالح عند الكتابة عن حرية التعبير عن الرأي.. الكلّ يقول لدماغي: اكتبْ نصاً يشبه أكلة “طباخ روحو” يا أخي، فهذه الأكلة تحمي من الكوليسترول وتعتبر مثالاً لضمان الصحة الوطنية التي تُحدق بها الترهلات وانتفاخات الكولون من كل حدب وصوب!.

لقد حولوا رأسي إلى مدينة عشوائيات، وهم يزرعون جمجمتي جيئةً وذهاباً.. وكثيراً ما كنت أضطر لأن أميلَ برقبتي بسبب ارتفاع عدد المندوبين وتوزعهم في غرف المعيشة و”أُوض” الضيوف وصوالين الاستقبال، إلى درجة أن شرطة المرور أرسلت دوريات هي الأخرى، من أجل تنظيم السير داخل دماغي بعدما أصبحت جمجمتي مدينة مزدحمةً بالعسس والجواسيس وكتّاب التقارير!.

الباصات كانت تتوقف يومياً قرب رأسي كي تُنزل المناوبين في مواعيدهم المحددة.. الشرطي أبو كلبجات الى جانب المُخبر كاتب التقارير والشيخ لابس الجلابية البيضاء مع الخوارنة وأصحاب العمامات..

لقد حولوا رأسي إلى مبغى عندما راحوا يستقبلون الضيوف بحجة التغلب على الضجر الذي ينتابهم أثناء التفتيش الدائم عن الأفكار المشبوهة.. المندوبونَ وسّعوا دائرة العمل من أجل اكتشاف الغدد النائمة، خوفاً من أن يوقظها المخيخ المعروف تاريخياً بتحركاته المريبة!.

لقد بنوا فندقَ استجمامٍ في رأسي سمّوه “شرم الشيخ”، ولأن “العقبة” كانت كبيرة جداً أمامهم، فكروا أن يقطعوا جمجمتي ويخلصوا منها نهائياً.. البعض قالوا لنضع هذا الرأس في الثلاجة ريثما يعود إلى رشده، فيما حبذا آخرون دفنه في صحراء النفوذ كي لا تقوم له قائمة بعد اليوم!.

اليوم، يمشي جسدي برأسٍ مقطوعٍ، وجثثٍ تتدلّى من الأسمال.. لكن “العقبة” مازالت كبيرة جداً أمام موتي.. عرفتوا كيف؟.