1

زمن تغيير الطرابيش

أنجزت اجتماعات الآستانة الروسية ـ الإيرانية ـ التركية، في لقاءاتها الستة، المرحلة الأولى التي أسميناها “التفكيك”، لحل الأزمة السورية. والمقصود بذلك تقسيم ميادين المواجهة إلى مناطق وجبهات منفصلة يتم التعامل معها وفق معطيين: داخلي يتعلق بطبيعة الجماعات المسلحة المسيطرة على هذه المنطقة أو تلك، وخارجي يشمل الدول المجاورة المنخرطة بشكل أو بآخر في الحرب على سوريا. من دون أن نتجاهل طبعاً العلاقات العضوية الوظيفية بين القوى الإقليمية وجماعاتها المقاتلة على الأرض.

وقد نجحت تفاهمات الآستانة، وما رافقها من اتصالات أميركية ـ روسية على المستويين السري والعلني، في الإعلان عن أربع مناطق “خفض التصعيد” في الجنوب الغربي (حول درعا)، وغوطة دمشق الشرقية، وبعض أرياف حمص وحماه… وأخيراً مدينة إدلب ومحيطها. وبالفعل تحقق نجاح جزئي في معظم هذه المناطق، خصوصاً بعد أن رفعت دول إقليمية متورطة في الحرب على سوريا التغطية التي كانت تؤمنها للجماعات المسلحة.

الخطوة الطبيعية الثانية بعد “التفكيك” تمثلت في عملية “الفرز”، إي منح الفصائل المسلحة خيار الإبتعاد عن الجماعات المصنفة إرهابية، وبالتحديد “داعش” و”النصرة”. وهكذا رأينا عدة تنظيمات في درعا والغوطة الشرقية وأرياف حمص وحماه تعلن “تحييد” نفسها عن الإرهابيين، وفي بعض الأحيان تقدم على مواجهتهم بالقوة المسلحة في محاولة أخيرة لتجنيب تلك المناطق الضربات الجوية السورية والروسية الحاسمة. وهنا أيضاً تحقق نجاح جزئي، فتمتعت مناطق “خفض التصعيد” بالهدوء النسبي.

ظلت محافظة إدلب خارج التفاهمات الروسية ـ الإيرانية ـ التركية إلى أن عُقدت لقاءات على مستوى القمة بين قيادات ثالوث الآستانة. وبسبب عدم حصول التفاهم التام في كيفية تطبيق نظام “خفض التصعيد” في هذه المحافظ المترامية الأطراف، تمكنت “النصرة” (التي غيّرت اسمها إلى “هيئة تحرير الشام”) من إحكام سيطرتها على مدينة إدلب والمناطق المجاورة لها. وكان ذلك مقابل تراجع الجماعات المسلحة الأخرى أمثال “حركة أحرار الشام الإسلامية” و”ألوية صقور الشام” وغيرهما. في حين كانت قوات “درع الفرات” تحت القيادة التركية المباشرة تنتظر خلف الكواليس إلى أن تحين ساعة الصفر.

عملية “الفرز” في إدلب كانت تتطلب توجيه ضربات موجعة للمتشددين في “النصرة”، خصوصاً القيادات الرافضة لشروط التسوية كما يراها ثالوث الآستانة. وتؤكد معلوماتنا الخاصة أن الضربات الجوية الروسية على مقرات قيادات “النصرة” واجتماعاتها إنما تمت بناء على معلومات استخبارية قدمتها تركيا وقطر إلى القيادة العسكرية لروسية. أما الثمن الذي حصلت عليه أنقرة فيتمثل في تكليفها قيادة عملية تثبيت “خفض التصعيد” في إدلب بتدخل عسكري مباشر، وبالتعاون مع الجماعات المسلحة الأخرى التي سبق وأن وافقت على “فرز” نفسها عن الإرهابيين!

يبدو أن عمليتي “التفكيك” و”الفرز” وصلتا إلى المدى الأقصى الذي بات يتطلب مرحلة جديدة نقترح تسميتها “عملية تغيير الطرابيش”. إن “داعش” و”النصرة” وغيرهما من الجماعات الإسلامية التكفيرية هي نتاج تركي ـ خليجي منذ بداية الحرب على سوريا، وقد أنجزت كلها حتى الآن ما قامت لأجله… فبات من الطبيعي في هذه المرحلة الجديدة تغيير الطرابيش كما تتطلب الأطماع التركية. لكن هذه المرة بتغطية روسية ـ إيرانية تحت مظلة تفاهمات الآستانة.

الذي يحدث الآن، تحت ستار حملة إعلامية عنوانها القضاء على قيادات “النصرة” في إدلب، هو إعادة استيعاب أكبر عدد ممكن من عناصر هذه الجماعات الإسلامية بعد أن يكونوا قد حفوا لحاهم وغيّروا عباءاتهم وبدلوا عمائمهم بالطرابيش التركية… وهكذا يتم تأهيلهم تمهيداً للجلوس إلى طاولة المفاوضات في جنيف حيث سيتقرر مصير سوريا ومستقبلها.

 لكن ماذا عن الدور السوري، الدولة والمعارضة على حد سواء؟

كم كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وقحاً وصفيقاً عندما أجاب على سؤال لأحد الصحافيين عما إذا كان هناك تواصل مع دمشق، إذ قال: “إننا نتحدث مع موسكو”!

إنها الوقاحة الحقيقية المؤلمة.