1

الشباب السوري والأحزاب

أسامة كرحوت

السؤال مركّب بعض الشيء، فالشباب السوري خضع لتبدلات كثيرة خلال سنوات الحرب الأخيرة التي أنتجت أسئلة كثيرة وأظهرت وقائع ومفاجآت لم تكن في الحسبان سياسيًا واجتماعيًا، وعلى رأس تلك الوقائع انتشار التيار الديني على حساب التيارات العلمانية، إضافة إلى وجود تباينات كبيرة في موضوع انتشار الأحزاب إذا ما قارنّا حضور كل حزب مع الآخر. الأحزاب التاريخية التي كانت حاضرة بقوة في المشهد السوري منذ أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، تعاني اليوم من التشرذم وانعدام الآفاق وأحياناً العزلة في المجتمع، فهي في الغالب تضم كبار السن الذين لم يتخلوا عن إرثهم السياسي فظلوا ملتزمين بأحزابهم لأنها جزء من تاريخهم الشخصي.

في الخمسينيات كان التيار الديني السياسي لا ينال مكاسب تذكر في انتخابات مجلس الشعب. في المقابل كانت الأحزاب العلمانية مثل القومي والشيوعي والبعثي، هي صاحبة الحضور الأكبر والانتشار الأوسع، لكن مع الزمن تبدل المزاج بسبب ظروف كثيرة منها فشل هذه الأحزاب في تقديم شيء عملي على الأرض، وكذلك بسبب أحداث كبرى عصفت بالمنطقة والعالم بشكل عام.

صحيح أن بعض الأحزاب يعتبر ذا انتشار أكثر من سواه، كالحزب القومي على سبيل المثال لا الحصر، لكن هذا الحزب منهك بالخلافات والانقسامات التي خففت من شعبيته كثيراً خلال السنوات الماضية مقارنة مع ما كان متوقعًا أن يفعله، وذلك نظراً للحلول العملية التي تقدمها عقيدته لمجمل القضايا الملحة. كل ذلك في ظل انتشار كبير للتيار الديني سواء عبر التعاطف أو عبر العمل السياسي غير الظاهر بشكل واضح على الأرض. سنحاول هنا أن نبحث خلف أسباب عزوف الشباب عن الانتماء للأحزاب، هل هي مشكلة تتعلق بالأحزاب أنفسها أم بالشباب أم بالاثنين معًا؟

ماذا يقول طلاب الجامعة؟

نيرمين_ طالبة في كلية الإعلام:

أعتقد أن مشاركة الشباب في الحياة السياسية أو الانتماء إلى حزب معين، لابد أن يترافق مع وجود استقرار أمني ومعيشي، لكن مع دخول معترك الحياة والبحث عن لقمة العيش ومحاولة تغطية مصاريف الدراسة والأعباء التي تقع على كاهل الشباب السوري بالإضافة إلى الأوضاع الخدمية الصعبة لاسيما حرب العشر سنوات التي باتت تقف حائلاً أمام طموحات الشباب في المشاركة في الحياة السياسية. بالتأكيد لا أحد يستطيع أن ينكر أهمية الأحزاب في جميع الصعد خاصة الاجتماعية والثقافية، فهي دليل على حيوية المجتمع. إن اندماج الشباب ضمن أحزاب تعبر عن مصالحهم و طموحاتهم، لا بد أن يسبقه حياة اقتصادية مستقرة.

نتالي _طالبة في كلية الإعلام:

فكرة الانتماء قائمة على القناعة بمبادئ الحزب وأهدافه. لكن للأسف فإن أغلب الأحزاب منذ بداية عام ألفين إلى الآن، لم تحقق أي تقدم أو تغيير ضمن المجتمع، (ولا أقصد بذلك التغيير الجذري) لكن على الأقل، أن نجد تغيُّراً يجعلنا على اقتناع كامل بأن هذا الحزب قادر على تحقيق أهدافه. أنا لا أفكر بالانتماء لأي حزب، لأن هذه الأحزاب التي قامت بقفزة نوعية على الصعيد السياسي أو الاقتصادي في فترة الخمسينيات والستينيات، لم تستطع أن تقوم بشيء في هذه الفترة التي نحن بحاجة فيها إلى فكر هذه الأحزاب في التنمية وجميع المجالات الأخرى.

أحمد _طالب في قسم الصحافة:

الكذب عند الأحزاب ضروري لجذب الناس! لذلك نجد في مبادئ أي حزب الكثير من الأهداف والخطط والطموحات التي ليست إلا أهدافًا لتحقيق المصلحة الشخصية للحزب أو مصلحة القائمين عليه وهي ليست للمصلحة العامة.

ربيع _طالب في كلية الآداب:

لا أحبذ فكرة الانتماء إلى أي حزب. لأنّي أرى أن هذه الأحزاب تستخدم أعضاءها كوسيلة لتصل إلى غاياتها. لا أجد أيًا من هذه الأحزاب قد استطاع أن يجذبني بأهدافه أو حتى أن ينفعني بها! كما أنّني أرى أن انتمائي لأي حزب من هذه الأحزاب هو نوع من أنواع كبت الرأي الشخصي وتوظيف أحدٍ غيري للتعبير عني بطريقةٍ لا أتقبلها. فمن منظوري، الشخصي أرى أن هذه الأحزاب قد قمعت بطريقةٍ ما حرية التعبير الفردي عن الرأي، فهي تعتبر أن كل الأفراد لديهم الرأي نفسه، وبالتأكيد هذا شيء مستحيل.

محمد _طالب في المعهد العالي للفنون المسرحية:

لا أعلم ما هي الأحزاب الموجودة في سوريا! كنت أسمع بحزب البعث في المدرسة والجامعة كونه الحزب الحاكم، لكنني لا أهتم بالشأن السياسي (آخر همي كشب). وإذا ما سألتموني لماذا؟ سأقول: ماذا حققت تلك الأحزاب أصلاً؟

لا أذكر أنه قد حصل تغيير جوهري في أي مجال بفضل الحزب الفلاني مثلًا.

الشباب لديهم ميول واهتمامات تشغلهم وبرأيي فإن الأحزاب في ظل هذه الظروف تعتبر مضيعة للوقت فقط!

بشكل عام، السياسة لا تهمني ولا أتابع أي تغيّرات سياسية وإذا حصل وانتميت، فسيكون الأمر في وقت متأخر من عمري، أقصد بعد أن أكون قد تفرغت لهذه الأمور وصار عندي وقت لسماع ما يدور حول هذا الموضوع.

محمد_محامٍ، خريج كلية الحقوق في دمشق:

أعتقد أن الشباب، في ظل هذه الظروف، لا يمتلك من الوقت ما يسمح بالمشاركة في الحياة السياسية والاهتمام بالشأن السياسي ومتابعة حركة الأحزاب في ظل ظروف واقتصادية خانقة. فالشاب إلى جانب دراسته الجامعية، لابد أن يعمل كي يغطي مصاريف الدراسة والحياة بشكل عام.

الشباب لم يعد لديهم ثقة بالأحزاب أو بأي طرف سياسي! إضافة إلى أن شعور الخوف من المشاركة في الأنشطة السياسية يعتبر سببًا رئيسيًا في ابتعاد الشباب عن خوفًا من المساءلة والسجن.

أبو فادي، نجار وصاحب محل للأخشاب في الحي، أجاب بجملة واحدة بسيطة ومختصرة: “الله يعين هالشباب.. شو بدهن يلحقوا ليلحقوا.”

نتائج وانطباعات

تؤكد الأعداد المتزايدة في هجرة الشباب، تراجع موضوع الانتماء السياسي أو تبني القضايا العامة لدى هذه الشريحة الحيوية من المجتمع. وهذا بالطبع، كما تُظهر إجابات العينة التي سألناها، يرتبط بما آلت إليه هذه الأحزاب من انعدام في الفاعلية وعدم قدرة على الانجاز، إما لأسباب داخلية تتعلق بالحزب نفسه، أو خارجية تتمثل بالصعوبات الكثيرة التي تحدق به.

يتمنى الجميع ألا يصح في هذا الواقع القول: “إن الأحزاب سادت، ثم بادت”، لأن وجود تلك المؤسسات دليل صحة وعافية في المجتمع، ولا يمكن الاستغناء عنها بالتأكيد!