1

الحزب السوري القومي الاجتماعي بين الحاضر والماضي- الدكتور عادل بشارة

كثيراً ما نسمع مقولة “إن الحزب السوري القومي الاجتماعي اليوم هو ليس كما كان عليه في الماضي البعيد”. فقط من لديه الحد الأدنى من الإدراك بتاريخ الحزب سيفهم أهمية هذا القول والمنطق الذي يستند إليه. أمّا المشكّكون وغير المطلعين فقد يجدون صعوبة في فهم هذه المقولة، أو قد يعتبرونها

كلاماً فارغاً يحمل قدراً كبيراً من السخرية والاستهزاء.

ولكن عندما ننظر عن كثب إلى الحقائق يتبين لنا أنّ المقولة تنطوي حقاً على قدر كافٍ من الحقيقة. إنّ الحزب السوري القومي الاجتماعي اليوم هو بالفعل مختلف جداً عن الحزب السوري القومي الاجتماعي أيام سعاده، ليس فقط من حيث الشكليات، ولكن أيضاً من حيث الأداء والفاعلية. وكل ما يتطلَّبه الأمر هو إجراء مقارنة بسيطة لإثبات ذلك:

  1. أيام سعاده، لم يكن هناك سوى حزب سوري قومي اجتماعي واحد. أما اليوم فيوجد ثلاثة أحزاب تدعي أنّها “الحزب السوري القومي الاجتماعي”. وهذه الأحزاب الثلاثة التي تحمل نفس الاسم ونفس العلم ونفس المبادئ تعبِّر عن انقسام وتباين مهين وغير مبرر على حد سواء، وربما يشكّل هذا الانقسام الفشل الأكبر لحقبة ما بعد سعاده. والأسوأ من ذلك هو أن أياً من الأحزاب الموجودة لا يتماهى ولا يقترب من الحزب الأصلي من حيث السلوك والأداء والإدارة.
  2. أيام سعاده، كان الهدف الأساسي للحزب السوري القومي الاجتماعي هو كسب قلوب وعقول الناس، وكان الحزب يتحرك بقوة هائلة لتحقيق ذلك. أما اليوم فالحزب يتحرك مثل السلحفاة الجريحة التي تقطعت بها السبل في أرض اليباب، وتراجعت قدرته على الوصول إلى الناس إلى أدنى مستوياته إفساحا لبدع جديدة تستند أساسا على المصالح الفردية والمنفعة الشخصية ويغذيها هوس مرضي بالسلطة والحكم.
  3. أيام سعاده، كان الحزب السوري القومي الاجتماعي يتمتع بهوية مميزة واستقلالية في القرار والحضور السياسي والإعلامي، الأمر الذي مكّنه من اكتساب سمعة فريدة بين التشكيلات والتكتلات السياسية في الوطن. أما اليوم، فلقد تضاءلت هذه الميزة إلى لا شيء تقريبا، وتحوّل الحزب إلى حزب سياسي عادي مع قدر ضئيل من الاهتمامات القومية، هذا إن وجدت. لقد أصبحت هويته ضبابية، واستقلاليته مطعونة، ومؤسساته مخترقة إلى حد أن لا شيء أصبح يميزه عن الأحزاب السياسية الأخرى سوى الاسم وبعض المظاهر الخارجية.
  4. أيام سعاده، كان الحزب السوري القومي الاجتماعي قيادياً ونموذجاً يُحتذى به، حيث كان الآخرون يطمحون أو يحاولون تقليده على المستويين النظري والعملي. أما اليوم فلقد تضاءلت هذه الميزة وأصبح الحزب يرضى بلعب دور ثانوي أمام الآخرين. لقد خسر الحزب الهامش الرائد الذي كان يقوده في السابق وأصبح مجرد مقلدٍ للآخرين بدلاً من أن يكون موضع احترام وتقدير اعتاد أن يكون عليه، حتى أنه بات عاجزاً عن تقديم أي شيء سوى القليل جداً في ميدان الابتكار والمبادرة.
  5. أيام سعاده، كان الحزب السوري القومي الاجتماعي محل هيبة واحترام كبيرين خاصة من قبل خصومه السياسيين وعامة الشعب. أما اليوم فَقَدْ فَقَدَ كل شيء، وأصبح خصومه السياسيون يتعاملون معه بأسلوب انتهازي للغاية، حتى أصبح بنظرهم من المتطفلين والباحثين عن الشهرة والتكسب الرخيص. وهذا التصور ينطبق أيضا على الرأي العام الذي خاب أمله من أداء الحزب إلى حد بعيد.
  6. أيام سعاده، كان يُنظَر إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي على أنه حزب إيديولوجي يمتلك بعداً أخلاقياً. هذا التصور عَكَس إلى حد كبير المرتبة العالية التي كان سعاده قد منحها للإيديولوجيا والأخلاق في خطابه القومي والسياسي، وفي الطريقة المبدئية والاحترافية التي أدار بها الحزب. أما اليوم فتحتل كل من الأيديولوجيا والأخلاق موقعاً ثانوياً بالنسبة للسياسة، وهذان الجانبان في تراجع خطير. فلقد تضاءل ذلك التصور الأولي ليحل محله مفهوم سلبي يحمل في طياته الكثير من المعاني والتصورات الخاطئة عن الحزب عرفت انتشاراً وشيوعا في أنحاء الأمة.
  7. أيام سعاده، لم يكن لدى الحزب السوري القومي الاجتماعي أي نواب في البرلمان أو وزراء في الحكومات، ولكنه كان قويا ويحظى بشعبية واسعة. أما اليوم فللحزب نواب ووزراء، لكنه ضعيف وأقل شعبية.
  8. أيام سعاده، كان لدى الحزب السوري القومي الاجتماعي العديد من المنشورات، وكان يتم إدارة وتحرير جريدته من قبل نخبة المفكرين من أعضائه. أما اليوم فيملك الحزب مطبوعة واحدة فقط تتم إدارتها من قبل شخص، بالإضافة إلى كونه ليس عضوا في الحزب، يتباهى بأنه قومي عربي الهوية ومعارض لأيديولوجية الحزب.
  9. أيام سعاده، كان الحزب السوري القومي الاجتماعي يفخر بكونه مركزاً فكرياً قوياً ومغناطيساً جاذبا للفنانين والرسامين والكتاب والشعراء، وما إلى ذلك. أما اليوم فأصبحت هذه الميزة الفريدة على وشك الانقراض “والحبل على الجرار”. لقد وصلت ندرة النشاط الفكري والإبداعي في الحزب إلى مستوى غير مسبوق ومثير للقلق لدرجة أنه ينبغي النظر فيه والتقصّي بشأنه.
  10. أيام سعاده، كان لدى الحزب السوري القومي الاجتماعي مجلس عمد مؤلف من عدد قليل من العمدات، وكانت كل عمدة محورية في العمل والنشاط الحزبي، وشكلت معا مع العمدات الأخرى نظاماً واحدا ومتكاملا. أما اليوم فمجلس العمد أكبر بثلاث مرات تقريباً، ولكن فعاليته في كثير من المجالات شبه معدومة. ومن حيث الترتيب، أيام سعاده، كانت عمدة الثقافة تحتل مكانة بارزة في الحزب، عكس على ما هو الحال اليوم.
  11. أيام سعاده، لم ينضم الحزب السوري الاجتماعي إلى أي تحالف أو جبهة، سواء كانت محلية أو إقليمية، باستثناء ما كان يتم حسب الشروط التي كان يحددها هو. حتى خلال مواجهته المصيرية مع الحكومة اللبنانية بين عامي (1947-1949)، رفض الانضمام إلى الجبهة المناهضة للحكومة لأنه اعتبر أن أعضاء تلك الجبهة ليسوا بأفضل من الحكومة نفسها. أما اليوم فيشارك الحزب السوري القومي الاجتماعي في العديد من التحالفات حسب شروط تُحدَّد له ولا يملك حتى أدنى المقومات للتأثير فيها. بل الأسوأ من ذلك، أنه يقيم تحالفاته مع أحزاب ومنظمات ينتمي معظم أعضائها إلى نفس المدرسة التقليدية التي تضم أيضا خصومهم والتي كانت إبادتها من أولويات سعاده.
  12. أيام سعاده، كان عدد الأمناء في الحزب السوري القومي الاجتماعي قليلاً جدا، وكانت هذه الرتبة تحظى بالاحترام والتقدير اللذين تستحقهما. أما اليوم، فقد أصبح عدد الأمناء في الحزب أكثر من الأعضاء العاملين (إذا جاز التعبير)، ولم تعد المرتبة تحتل نفس المستوى من الهالة والاحترام التي كانت تحظى بهما ذات مرة، مما أدّى إلى انخفاض ملحوظ في الكفاءة والأداء.
  13. أيام سعاده، كان الحزب السوري القومي الاجتماعي يدين الجبن ويمجّد البطولة: “إنّ حزبكم قد افتتح عهد البطولة الشعبية الواعية، المؤمنة المنظمة في أمتكم. فإن عهدكم هو عهد البطولة فلا تتخلوا عن طريق البطولة ولا تركنوا إلى طريق المساومة الغرَّارة.” أما اليوم، فتسود في الحزب سياسات تخضع برمتها إلى المساومات والتسويات والتنازلات، وهذا أمر ظاهر بصورة استثنائية وبالغة في أوساط قياداته، خاصة الذين رضخوا إلى الإغراءات السياسية البسيطة والمصالح الشخصية في كثير من الأحيان على حساب فضائل الشجاعة والبطولة.
  14. أيام سعاده، كانت بوصلة الحزب السوري القومي الاجتماعي تسير في اتجاه واحد ألا وهو غايته، وكان كل عمل أو فكر أو فعل خاضعاً لبرنامج الحزب، الأمر الذي ساعد على خلق وحدة روحية وأمكنه من القدرة على السير في الاتجاه الصحيح. أما اليوم، فبالكاد تشير بوصلة الحزب نحو غايته، مع أن النص لم يتغير ولم يتم العبث به. وإذا حدث العكس وتمت الإشارة إليه يكون في أغلب الأحيان من باب “رفع العتب” أو لغايات دعائيّة إعلاميّة لا أكثر.
  15. أيام سعاده، حدد الحزب السوري القومي الاجتماعي هدفه في الحياة على أنه لتحقيق “نهضة” في جميع مجالات الحياة، وقدّم نفسه على هذا الأساس. لذلك كان أداؤه وسياساته ترسم وفقا لتلك الصورة فقط. أما اليوم، وفي ظل التأثير الشامل للبراغماتية والسياسة الخصوصية، فأصبح مفهوم “النهضة” مجرد خرافة وسراب، وقد تم استبداله خلسة بمفهوم “المقاومة” وذلك ليتمكن الحزب من امتطاء ركب “المقاومة” في المنطقة.

صحيح أن الحزب السوري القومي الاجتماعي، ومنذ نشأته كان حركة هجومية، لكن جوهر ومبرر وجوده هو “النهضة” وليس “المقاومة”، ممّا يعني أن “النهضة” وليس “المقاومة” يجب أن تكون النقطة المرجعية الرئيسية للحزب.

هذه ليست سوى بعض الاختلافات التي تتبادر إلى الذهن. وبطبيعة الحال، سيعترض البعض على هذه المقارنة من باب أنّ الأحزاب السياسية تخضع لقوانين التغيير والتطور والتجديد، وبالتالي فإنه من غير الممكن لحزبنا أن يبقى على الحالة التي كان عليها أيام سعاده. هذا أمر صحيح وخادع في نفس الوقت. فالأحزاب السياسية، ككل الكائنات الحية، لا تستطيع التهرب من عامل الوقت والظروف، بل إنها تتحلل وتهلك إذا لم تتطور. ومعرفة ما إذا كان الحزب السياسي يجب أن يتغير أم لا، فإن هذه ليست القضية الحقيقية هنا، بل بالأحرى، كيف يجب أن يتغير هذا الحزب أو يتكيف مع التغيير. وهو أمام احتمالين: إما أن يستجيب للتغيير بطريقة إيجابية ومثمرة أو أن يستجيب له بطريقة سلبية أو حتى مدمرة. وحده هو صاحب القرار. أمّا بالنسبة إلى المقارنة الحالية، فإن الحقائق تشير إلى:

  1. أن حزبنا قد تغير بشكل كبير عما كان عليه أيام سعاده؛
  2. أن التغيير كان أكثر ميلا نحو الأسوأ منه إلى الأفضل

ليست هذه هي النتيجة التي يمكن أن يتوقعها المرء من حزب يتفاخر بالتزامه بالتقدم والتفكير العقلاني. ولكن الأمر الذي يدعو للقلق هنا ليس فقط مقياس التغيير أو نطاقه، ولكن أيضاً اتساعه وعمقه. إنّ ما نواجهه هو حالة من التحول تنطوي على تعديلات ليس فقط في سمات خارجية معينة فحسب، ولكن أيضا في بعض القيم والأسس الجوهرية التي تم تأسيس حزبنا على أساسها، وهذا أمر خطير ومقلق على حد سواء، لأن التحول إذا لم يكبح جماحه، قد يخرج عن نطاق السيطرة ويأخذ الحزب إلى مكان أكثر ابتعادا عن جذوره.

أما بالنسبة للحل، أولاً وقبل كل شيء، فعلى الحزب أن يبتعد عن القيام بتغييرات تعسفية وقصيرة النظر إرضاءً للرغبات المتلاحقة أو للمصالح الفئوية أو نزولا عند ضغوطات خارجية. وهذا أمر لا يمكن أن يتحقق قبل أن يتخلص من أولئك الموجودين في صفوفه، خاصة في الأوساط القيادية، التي تستمر في الخضوع لمثل هذا الإغواء لتحقيق مكاسب سياسية وشخصية. الأمر يتطلب بالإضافة إلى ذلك،

(1) وضع ضوابط وتدابير في مكانها المناسب وذلك لمنع حدوث تغييرات ارتجالية لا تقوم على تخطيط ودراسة مسبقة ولا أساس موضوعي لها.

(2) تطبيق نظام تحكم أكثر صرامة على آلية التغيير وذلك للتأكد من الالتزام بالتدابير اللازمة وللتخفيف من حدة المخاطر والأزمات.

(3) صياغة خطة توجيهية حول إجراءات ومتطلبات التغيير على أن يتم تحديثها بانتظام للحفاظ على نهج منظم ومنطقي لإحداث التغيير. هذا بعض من مؤشرات مؤسسة تحترم نفسها وتعرف ما تمثله وما ترغب به في الحياة.

أخيرا”، إذا كنا جادين بشأن مستقبل حزبنا، من الضروري بل من الواجب أن نحتضن التغيير ونسعى لمواكبة التحولات والتطورات حولنا، ولكن شرط ألاّ يتم ذلك على حساب هويتنا ومصلحتنا، وألاّ يبعدنا عن حقيقتنا وتميزنا. علينا ألا نخاف من التغيير، ولكن ينبغي ألاّ نتبنى التغيير فقط من أجل التغيير أو لتلبية احتياجات مؤقتة أو رغبات شخصية ضيقة لأن هوية الحزب وسمعته وقيمه ورؤيته ليست قابلة للمساومة على مذبح التغيير.