1

التبادل السكاني سلاح ذو حدين -أسرة التحرير

!التبادل السكاني”  سلاح ذو حدّين

لا يمكن لأي مراقب غير مغرض وغير متورط إلا وأن يتفهم الجوانب الإنسانية لعمليات “تبادل” الأهالي بين كفريا والفوعة من جهة ومضايا والزبداني من جهة أخرى. وبعيداً عن التصنيفات السياسية والمذهبية والميدانية، فإن المدنيين غير المعنيين بمواقف هذا الطرف أو ذاك هم أكثر من دفع الثمن في حصار خانق لا يمكن تبريره بكل المقاييس.

وكي لا يبقى هؤلاء المدنيون رهائن التطاحن الإقليمي بأدواته السورية، كان من الضروري إخراجهم من معادلة الصراع الذي يبدو مفتوحاً على احتمالات متصاعدة في ضوء مستجدات موقف الإدارة الأميركية من الأزمة السورية. وقد كان واضحاً أن الغالبية العظمى من المحاصَرين هي من النساء والأطفال، وكانوا عرضة للقصف الانتقامي الذي لا يحقق أي إنجاز عسكري قط.

ونحن نتفهم أيضاً مخاوف من ينظر إلى عملية “التبادل” هذه من زاوية التغيير الديموغرافي، آخذين في الاعتبار الإنتماءات المذهبية للمناطق الأربع التي شملها الإتفاق. إذ لا يستطيع أحد أن ينكر البعد الطائفي كواحد من جوانب الحرب على المجتمع السوري. فالتفتيت الديني والمذهبي والعرقي على مستوى العالم العربي، وبالتحديد في منطقة الهلال الخصيب، يعتبر أداة أساسية بيد الارادات الاجنبية في إعادة رسم الجغرافيا السياسية والاجتماعية في إطار سايكس ـ بيكو جديد.

لكن إنجاز “التبادل” بكل تداعياته الإنسانية يجب أن لا يصبح هدفاً بحد ذاته، فيتحول الفرز الديموغرافي إلى واقع تقسيمي وفق خطوط إجتماعية إن لم يكن وفق خطوط جغرافية. ولنا في تجربة الحرب الأهلية اللبنانية نموذج لما نخشاه. فالسلطة المركزية التي نشأت في لبنان بعد اتفاق الطائف لم تكن سلطة وطنية جامعة بقدر ما رسّخت التحالف بين طوائف تتناهش المصالح والمنافع على حساب وحدة المجتمع. ومع أن لبنان لم يتقسّم جغرافياً وإدارياً، إلا أنه تشظى إلى أبعد الحدود سياسياً واجتماعياً وثقافياً… والآتي أعظم.

ما سمي بخطة “التبادل” بين المناطق الأربع أخرجت المدنيين من جحيم دموي يومي، وهذا أضعف الإيمان بالنسبة إليهم. لكن جحيماً آخر سيتأسس إذا لم يُنظم العمل على استيعاب “المهجرين” في بنية مدنية تعيد دمجهم في المجتمع الموحد. والعبء الأكبر هنا لا يقع على كاهل السلطة المركزية فحسب، وإنما على عاتق منظمات المجتمع المدني والأحزاب القومية العلمانية، واخصها الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي برهن عمليا على معالجة وصهر النعرات الطائفية والعرقية، خصوصاً وأن أجهزة الدولة منهمكة في معركة مصيرية قاسية. لذلك يجب أن تُعطى أفضلية التنمية للمناطق التي عادت إلى كنف السلطة، أولاً لتعزيز صمود مَنْ قرر البقاء من سكانها فلا يقعون ضحية للتهجير اللاحق أو لـ”التمييز الديموغرافي”، وثانياً لتشكيل نموذج يُحتذى في التعاطي مع حالات مماثلة.

“التبادل السكاني” في الحالات الاستثنائية مفهوم ومقبول، وإن على مضض. أما المرفوض مطلقاً فهو أن يتحول السوريون إلى “لاجئين” في وطنهم، أو أن ينعزلوا في “غيتوات” متقاربة جغرافياً ومتباعدة اجتماعياً… فنكون أمام أجيال متعاقبة تختزن بذور حروب أهلية لا تنتهي!