1

التأسيس بين سايكس-بيكو السياسية والاجتماعية–راجي سعد

مرَّت الذكرى السادسة والثمانون لتأسيس الحزب السوري القومي الاجتماعي هذا العام وأمتنا ما زالت تصارع التنانين التي تهاجمها من كل حدب وصوب، والتي تنهش ما تبقى من لحمها بعد تاسيس بلفور لوعده وسايكس وبيكو لتقسيماتهما السياسية. هذه التنانين اليوم تجدد اساليبها للقتل والبطش والتفتيت فلا تكتفي بسايكس بيكو السياسية في 1916 التي حقّقت أهدافها بقيام كيان عنصري لأتباع الديانة اليهودية في فلسطين وبطرد وتشريد الشعب الذي عاش على أرضها منذ بدء التاريخ الجلي، فتسعى الى تثبيت هذه الكيان شرعيا وقانونيا واحكام سيطرته الاقتصادية والسياسية على سوراقيا من الفرات إلى النيل. المتآمرون الجدد يحاولون الوصول إلى أهدافهم عبر خلق سايكس-بيكو جديدة وتفرز كل الطوائف والأديان والأعراق وتفصلها عن بعضها البعض، محوّلةً إيّاها إلى “قوميات” لها كياناتها العنصرية المتناحرة فيما بينها. هذا المشروع الصهيوني القديم الذي تتبناه اميركا وحلفاؤها الأوروبيين، ولا يبدو ان روسيا تعارضه، بدأ تنفيذه في سوراقيا منذ الحرب الأهلية اللبنانية، وينفذ بخطوات ثابتة ومتسارعة منذ الغزو الأميركي للعراق وعلى مراحل، من دون أي مقاومة فعلية قادرة على ايقافه. نستطيع ان نجزأ تنفيد هذا المشروع الى ثلاث مراحل كما يلي:

  1. المرحلة الاولى هي مرحلة اضعاف الدول السوراقية من دون المس بحدودها السايكس-بيكوية من خلال فرض نظام عنوانه “الديمقراطية-التوافقية” ومضمونه الفيدرالية يكون فيها الجيشُ الفدرالي ضعيفاً والرئيسُ صُوَرياً والسلطة سلطات موزعة على الطوائف والاعراق.
  2. المرحلة الثانية هي مرحلة انهاك وتفتيت الدول السايكس-بيكوية عبر تفجيرها داخليا وتآكلها البطيء لكي تصبح دول فاشلة بالكامل.
  3. المرحلة الثالثة هي مرحلة الغاء الدول السايكس-بيكوية واستبدالها بدول طائفية عرقية رديفة للصهيونية، او بالاحرى خلق سايكس-بيكو “متجددة” لكن اكثر فتكا وتدميرا.

الخطوة العملية الأولى لهذا النظام “الديمقراطي-التوافقي” ولدت، كما أشرنا أعلاه، في لبنان من خلال اتفاق الطائف الذي، بالإضافة إلى تطييفه السياسة، طيف المجتمع الذي أفرزته الحرب الأهلية، والخطوة الثانية تبرعمت بعد الغزو الاميركي للعراق وفرض نظام المحاصصة العرقي-الطائفي الذي افرز ثلاث فدراليات غير معلنة، والخطوة الثالثة بدأت مع ما سمي ب”الربيع العربي” الذي ادى الى حرب ضروس على سوريا استُغِلَّت فيها الثغرات والنعرات الطائفية والفساد الداخلي فمُوِّلَت ودُعِمَت الجماعات الدينية “السنية” المتطرفة للـ”ثورة” على النظام الشبه-علماني. ها هم مؤسسو وداعمو هذه “الثورة” يسعون اليوم للوصول الى اهدافهم في “وضع ترتيب لتقاسم السلطة بين المجموعات السكانية المختلفة على غرار المؤسسات التعددية في لبنان المجاور”، كما اعلن هنري كيسنجر في 2012، من خلال منع الجيش السوري من فرض سيطرته على ادلب التي تسيطر عليها الجماعات التكفيرية “السنية” والشمال الشرقي الذي يسيطر عليه الانفصاليون الكردستان والشمال الغربي الذي تحتله تركيا، وبذلك يتم فرض تسوية ودستور جديد على الحكومة السورية يصنع في سوتشي او اسطنبول او جنيف. اذا نجحت اميركا وروسيا بفرض هذه التسوية الفدرالية على سوريا فبذلك تكون المرحلة الاولى قد تمت بنجاح وبدأ العد العكسي لمرحلة تفتيت سوريا لكي تصبح فاشلة بالكامل.

المرحلة الثانية، اي مرحلة الدول الفاشلة، بدأت في العراق ولبنان وتستعمل فيها عدة وسائل اقتصادية ونفسية “وإرهابية”، فإحدى الأسلحة المستخدمة في العراق هو سلاح المياه فامام سلب تركيا لمياه دجلة عبر سد اليسو وغيره سيعاني الجنوب “الشيعي” من شح خطير للمياه بينما الشمال “الكردستاني” يبني السدود على روافد دجلة و”يقطع” ما تبقى من مياه دجلة عن الوسط والجنوب. الاسلحة الأخرى التي تستعمل هي الفساد المستشري في الدولة وتدهور الوضع الاقتصادي واعطاء امتيازات سياسية واقتصادية لبعض المجموعات كالاكراد. في سوريا لن يكون الوضع اقضل حالا من لبنان والعراق اذا قام النظام الفدرالي فيها فستبدأ النزاعات على تقاسم المغانم وسيستشري الفساد والشعور بالغبن بين كل عرق وطائفة وسيترافق مع تدخل خارجي يؤجج الصراع الطائفي والمذهبي.

كل هذه العوامل ستكون أرضاً خصبة للانفصاليين والتكفيريين وغيرهم لاعلان “استقلالهم” او “خلافتهم” وستؤدي في النهاية الى الدخول في المرحلة الثالثة وهي مرحلة انشاء الدول الانفصالية العنصرية الصهيونية. والارجح ان الخطوة الاولى ستكون في اعلان دولة كردستان في شمال العراق وانضمام محافظة الحسكة السورية اليها وتتبعها دولة شيعية عربية في البصرة وربما الاحواز ودولة سنية في بغداد قد “تتوحد” مع دولة سنية في حلب ووادي الفرات ودول سنية اخرى في الاردن وسيناء بعد تمرير صفقة القرن ودول درزية ومسيحية وعلوية في الغرب الساحلي اللبناني السوري.

قد تختلف التقسيمات النهائية حسب التطورات الميدانية واعتبارات اخرى لكن النتيجة لن تختلف بمدى ويلاتها على الشعب السوراقي. ان سايكس-بيكو-2 الاجتماعية الجديدة والقوميات المختلقة، السنية والشيعية والمسيحية والدرزية والعلوية والكردية، ستكون الاوكسيجين الذي سيغذي القومية اليهودية للاستمرار والسيطرة على “ارض اسرائيل” من الفرات الى النيل عبر الهيمنة الاقتصادية واشعال الحروب المستمرة بين هذه “القوميات”.

السؤال الكبير الذي يطرح نفسه هو هل بالإمكان مواجهة هذا المشروع التدميري بعد إن حقق إنجازات كبيرة لا يستهان بها. إن أنطون سعاده هو اول من حذر من خطر الحزبية الدينية على مصير الامة وكيف ستجر هذه العصبية الدينية ويلات كبيرة ستستغلها الصهيونية لصالحها. في مقال له في 1921 بعنوان “السوريون والاستقلال” كتب سعاده “ولقد سبَّبَتْ التعصبات الدينية في سوريا معضلةً هي أشبهُ شيءٍ بالمعضلة البلقانية من المنازعات والانقسامات الوخيمة العواقب. والمعضلة السورية هي معضلات عدة، لا تلتئمُ مع مصلحة أمة تريدُ النهوضَ إلى مستوى الأمم الحية قط. … وكلُّ هذه المعضلات منحصرة في معضلة واحدة، فإذا لم يبادر السوريون إلى حلها، قبل أن يتفاقم شرُّها، جَرَّتْ عليهم ويلات لا تُعدُّ ولا تُحصى. وإحدى هذه الويلات، الآخذة في الحلول في الأراضي السورية، هي الصهيونية” (الأعمال الكاملة. المجلد الأول 1921 – 1934).

عندما أسس الحزب السوري القومي الاجتماعي عام 1932 وضع سعاده نصب عينيه مواجهة الحزبية الدينية وويلاتها بإنشاء قومية مجتمعية علمية متجددة تعيد الحياة إلى المجتمع الواحد فتدفع الويل الصهيوني عنه وتتخلص من سيطرة الأجانب عليه، فيعمل السوريون متّحدين لفلاح ونهضة هذه الامة. للاسف لم يسمع الشعب السوراقي او لم يُسمح له ان يسمع نداء سعاده الذي اغتالوه في بيروت عام 1949 قبل تأسيس مجتمعه القومي في لبنان والشام وارسال جيشه القومي لتحرير فلسطين. الحزب بعد سعاده، ورغم التضحيات الجسام، أخذ يفقد وهجه تدريجيا، وساهمت العوامل الداخلية مع عوامل خارجية لا يستهان بها الى تهميش دوره في لبنان والشام والغائه في فلسطين وعدم تمكنه من دخول العراق.

ان فشل الحزب في مواجهة سايكس-بيكو-1 السياسية بعد غياب القائد هو مؤشّر حتمي بانه سيفشل في مواجهة سايكس-بيكو-2 الاجتماعية الأشد خطورة وفتكا بالأمة، اذا لم يقم باعادة تقييم دوره جذريا على كل المستويات. مَن يظن انه يستطيع ان يمارس الاعمال ذاتها بالاسلوب ذاته ويتوقع نتائج افضل فهو لا يستعمل عقله شرعا اعلى له ولا المعرفة دستورا له.

إن حال الحزب اليوم شبيهة برواية النسر عندما وصل الى منتصف عمره فاصبح منقاره معكوفا اكثر واصبحت مخالبه لينة وبالكاد يستطيع ان ينتزع الفريسة وفقد رشاقته لثقل وزنه وكثافة ريشه. في هذه الحالة تحتم على النسر ان يختار بين خيارين: اما الاستسلام للموت البطيء او ان يدخل في عملية تغيير وتجدد مؤلمة وطويلة تعيد إليه حيويته ونشاطه.

بدأ النسر رحلة الانبعاث باستجماع قواه والصعود الى قمة الجبل ومن ثم نتف ريشه وضرب منقاره على الصخر حتى انكسر وغرس أظفاره في الأغصان إلى أن اقتلعت. مر النسر بعد ذلك في مرحلة مؤلمة تحمل فيها الالم والجوع الى ان نمى ريشه ومنقاره واظافره فبدا رحلة طيران متجددة معلنا ولادة جديدة لنسر ظن اعداؤه انه انقرض.

على الحزب السوري القومي الاجتماعي ان يحول هذه الرواية الى حقيقة فيعيد تجديد نفسه بالتمسك بالاسس والمبادئ والغاية، ولكن باعادة تقييم نظام النهج والشكل الذي اثبت عدم فعاليته او فشله. ان مسيرة التجدد في الحزب يجب ان تشمل كل دورة الحياة الحزبية من ادارية وتنظيمية وثقافية واعلامية لمخاطبة العقول والقلوب والوصول الى الشعب. لا يعقل لحاملي رسالة التجدد والخلق والابداع في امتنا ان لا يتفاعلوا مع متغيرات العصر فيجمدوا عقولهم ولا يطوروا اساليب العمل لمجاراة العصر.

اذا كانت الامة السوراقية بين الحياة والموت كما وصفها سعاده في الثلاثينات من القرن الماضي فالامة اليوم على فراش الاحتضار، واذا لم نواجه سايكس-بيكو الجديدة ببعث وتجدد قوميين معاكسين لها، مستعملين لذلك كل الوسائل العقلية والروحية والمعرفية العصرية للانقاذ، فسيكون مصير الامة السوراقية المصغرة والطبيعية الفشل والزوال.

تورتنو، كندا

12 كانون أول، 2018