1

همروجة “برنارد لويس – نجيب نصير “

مات برنارد لويس كما مات غيره من المستشرقين على كافة أنواعهم وأصنافهم ومقاصدهم. وبقي السؤال الأزلي حولهم وحول منتجاتهم يتردد مع صداه اللانهائي في جمجمة فارغة من دون إجابة عن هذا السؤال المهمل: هل كان برنارد لويس كما جميع المستشرقين على حق أم على صواب في كتابة ما كتب عن “العرب” و”المسلمين”؟ خصوصاً أن الإستشراق (كما الإستغراب) ليس هواية معلوماتية يشغف بها كل صاحب ميل يتهوس في معرفة الآخر، نابشاً بطون الكتب والتواريخ، أو مجرباً الترحال في فيافي القارة “العربية”… بل هو توظيف تجاري/سياسي لمعرفة الشعوب وطبائعها وأساليب التأثير فيها. وهذا في مجمله عمل ثقافي يسعى المستشرق (والمستغرب) من خلاله إلى تزويد الحيوية القومية الفائضة لبلاده بمعرفة تسهل لها السيطرة والاستثمار في المجالات القومية الأخرى.

برنارد لويس

ومن نافل القول إن الاستشراق كان متخصصاً بـ “العرب” و”المسلمين “. فكل الأمم والبلدان التي تأتي بالترتيب الإنتاجي أدنى من مرتبة الأمم المنتجة كلها تعرضت لتلك الدراسات ” الاستشرافية “، من دول أفريقيا حتى اليابان وروسيا وجل أوروبا. ولا تفوت عينا الحصيف ذلك. وهذه الملاحظة لا تخفف من إعتدائية الاستعمار المستفيد من تلك الدراسات، ولا من وطنية من يريد أن يقرأها قراءة معرفية جادة معترفاً بصوابية الكثير أو القليل من محتواها، على الرغم من مواربتها للحق في الكثير أو القليل من مسروداتها. فالحيويات المجتمعية التي تفور بسبب الإنتاج خارج حدودها هي حيويات غير مدانة من حيث المبدأ. فمن غيرها كان على العالم أن يراوح مكانه بواسطة عزل الإنتاجات الإبداعية في مواطنها فقط. ولكن سنة الحياة مختلفة عن هذا التوهم، فعلى الرغم من الضرر الفعلي الذي لحق بالمناطق المدروسة “إستشراقياً”، إلا أن المعلومات الاستشرافية مهما كان سببها هي معلومات قابلة للتحول إلى معرفة نقدية كانت أم تطبيقية. ومن هنا يبدو أن النقاش الشرس حول الاستشراق نابع من المقدرة على الإستفادة من معلوماته أو عدمها، أكثر مما هو نابع من التأكد من حقيقة المعلومات  ومن ثم هضمها والبناء عليها معرفياً أو نقدها والرد عليها ونقضها في سردها أو منهجها. وهذه مسألة معرفية قد تتجاوز في متطلباتها الإمكانيات الموجودة وهي إمكانيات معرفية محدودة، لتترك المهمة إلى المخيال الشعبوي الذي يقبل بهذا المستشرق الذي “أنصف” ويرفض ذلك المستشرق الذي “أساء” ملحقاً به ما شاء من الخونة والمارقين المحليين. وهنا يمكننا التوقف عند بعض وجوه الإلحاق هذه، كالشيوعية والقومية بكافة صنوفها واللبيرالية والعلمانية بكافة أنواعها إلخ، حيث بدت جميعها كفعل إستشراقي مثرّب، حتى أنه قتل وشرد الكثيرون بسبب هذه التهمة المشتقة والمنشقة عن الإستشراق.

إن التوقف طويلاً عند فعالية فضح الإستشراق والمستشرقين كتوفير لسلعة الوعي في الأسواق لا يجيب على السؤال حول الحق والصواب الآنف. فأكثرية المستشرقين “الإعتدائيين” كانوا على صواب بدلالة نجاح الإستعمار الدائم في وضع وإدارة خططه المربحة حتى يومنا هذا، مما  يجعل معرفة الآخر (ما سمي إستشراقاً) ضرورة، وإن كانت تجارية (إستعمارية تحديداً). والبحث  في طبائع الشعوب وجغرافياتها وبيئاتها ليس بحثاً في الأسرار الشخصية لهذه الشعوب. وليس إستخدام المعلومات إبتزازياً، بقدر ما تشكل هذه المعلومات تحدياً للموصوف في صفاته المدروسة حيث له مواجهتها والإبقاء عليها أو تعديلها أو رفضها . وساحة  المعركة هنا ليست ساحة الأخلاقيات التراثية، بل هي ساحات إنتاج الشبع والمنعة، ليتحول الإستشراق إلى جرس إنذار مشيراً إلى الأعطاب التي تسمح بالإختراق. فالطائفية لم يصنعها الإستشراق، بل الإستعمار بالتكافل والتضامن مع الطوائف المحلية مع رجحان كفة الإيذاء لصالح الطوائف نفسها. وكذلك الفساد والاستبداد وانهيارات الكرامة البشرية إلخ. وإشارة الإستشراق إلى إمكانية تطييف المجموعة السكانية هي إعلان لطرفي المعادلة الضحية والجلاد في ثنائية شعوب/ إحتلال، ليأخذ منها كل ما يريد. وها قد أخذت الشعوب المدروسة بالإستشراق الطائفية والفساد والإستبداد إلخ، وطارت فرحاً “بوعيها” المستحدث للإستشراق. لكنها لم تجب على أي من أسئلته، خصوصاً السؤال المزدوج حول الحق والصواب، وكذلك سؤال كيف الخروج من هذا الويل.

الظاهرة المضحكة المبكية في هذا السياق هي ظاهرة “الإستغراب”. وهي ظاهرة تعتني بدراسة المنتجات التفكيرية الغربية “إستشراقياً”، أي القيام بدور المستشرق معكوساً. وهي بذلك ظاهرة جديرة بالدراسة. ولكننا نكتفي هنا بالإشارة إلى أنها ليست من مرافقات الإنتاج التي تظهر مع فائض الحيوية المجتمعية، فاستعانت بالإرهاب وفوائضه للولوج إلى هذا المجال. إذ ليس للتخلف ومنتجاته إلا الإرهاب كمنتج وحيد للرد على جلافة الإستعمار الدموية. وهنا تبدو المعركة خاسرة تماماً ولا معنى إيجابياً لها. إذ أن الرد الوحيد هو في التقدم الإنتاجي المنافس، وبذلك يتحول “الإستغراب” إلى تنظير لإرهاب يبرره بمفعول رجعي، ولا يبدو بتاتاً كمحاولة جدل معرفية مع واقع “الغرب” المعرفي.

رفض الإستشراق جملة والقبول به تفصيلاً هو إحدى المعضلات التفكيرية لهذا العالم “العربي والإسلامي” الذي لم يعرف لها حلاً معرفياً نافعاً حتى اليوم. وما زال التفكيريون “العرب” يغوصون في زجليات الهجاء لهذا المستشرق أو ذاك على تخوم قبول السلطة ورضوخها  للقول الإستشراقي أم لا، ليتحول هؤلاء إلى “مستشرقين” مضاعفين فمن جهة يقومون بدعاية “مضادة” ومن جهة أخرى يرضخون لمفاعيل الإستشراق الذي يدّعون معرفته.

الإستشراق ليس عملية إستعمارية ولا عملية أيديولوجية إنتقامية. إنه علم حقيقي لا يصح التدليس فيه، لأن هناك عمليات معرفية سوف تقوم على أساسه، ومنها ـ وربما أهمها ـ الإستعمار النهاب والدموي الذي لا يمكن أن ينتصر بإستخدام معلومات وهمية أو مفبركة. أما مسألة إلى أي جانب يقف؟ فهي واضحة وضوح الشمس. إنه يقف إلى جانب الممول القوي، الحامي والمستفيد من معلوماته.

بمناسبة وفاة برنارد لويس كتب بعض التفكيريين العرب محاولاً إنصاف الرجل وعلى حقه في التحليل والدراسة والاستنتاج. وكتب بعضهم الآخر هجاء مقذعاً عن “لا ” حقه بإعمال عقله وإستثماره بهذه الطريقة. ولكن المسألة لا تكمن في هذا أو ذاك، فالرجل قال ما قاله ورحل. المسألة برمتها بين أيدينا. فهل نثبت صحة أقواله بأفعالنا بغض النظر عن صوابية هذه الأقوال من عدمها، أم نقوم بالفعل الحضاري المناسب لما ندّعي أنها حضارة عريقة صالحة وقادرة على الحياة؟

وبهذه المناسبة أتوجه بالتحية والعرفان لكل “المستشرقين” المحليين من أمثال عبد الرحمن الكواكبي وأبو خليل القباني وفرح أنطون وسلامة موسى وخليل سعادة وشبلي الشميل وطه حسين وعلي عبد الرازق وعبد الرحمن الشهبندر وغيرهم كثير، إذ لولا قمعهم وإماتتهم لما وصلنا إلى حالة الدفاع عن خطايانا وتناول الإستشراق بهذه الطريقة المذعورة.