من الجولان وفلسطين إلى ميثاق الامم المتحدة: معركة واحدةـ مقابلة مع البرفسور رودلف القارح

image_pdfimage_print

التقت مجلة الفينيق بـالبروفسور رودولف القارح ـ أكاديمي ومستشار لدى المؤسسات الأوروبية

س: أثار القرار الأميركي الأخير حول الجولان استياء الدولة السورية مما أدى إلى عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن في الأمم المتحدة وإلى إجماع الدول على معارضته. وتناقلت الصحف الأخبار عن عزلة الرئيس الأميركي تجاه هذا القرار. هل تعتقدون أن معارضة الدول لهذا القرار كاف لدحض التحركات الأميركية والإسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط؟

ج: بادئا ذي بدء لا بد من التأكيد على أن هذا القرار باطل ولا قيمة له على الإطلاق. الجولان أرض سورية عربية محتلة ولا مجال لأي التباس وغموض في الموضوع. هذا من الناحية المبدئية. أما من الناحية السياسية والقانونية فإنها تصيب في الصميم والجوهر وجود منظمة الأمم المتحدة التي قامت تحديدا لمواجهة شريعة الغاب وألاعيب موازين القوة الصرفة التي أدت إلى اندلاع حربين عالميتين والتي ثبَّتت في ما ثبَّتته الرفض المطلق لعمليات احتلال الأراضي بالقوة.

إذا من الضروري الإضاءة على معاني الخطوة التي بادر إليها الرئيس ترامب والتي ترددت القيادات الأميركية التي تناوبت على البيت الأبيض لعقود على اتخاذها، رغم الإلحاح الإسرائيلي الدائم.

 ليس القرار الأميركي وليد ساعته رغم إخراجه في ظرف انتخابي مزدوج. دعما أولا للطرف الإسرائيلي الأكثر التصاقا واندماجا بالقيادة الأميركية إلى حد التماهي المطلق. لننظر مثلا إلى ترجمة هذا التماهي عبر تهديدات ترامب للمحكمة الجنائية الدولية في حال ملاحقتها  لأميركيين أو إسرائيليين متهمين بجرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، وما أكثرها.

هذا الدمج شبه المطلق بين الطرفين دليل من دلالات المرحلة الراهنة حيث تنكشف تباعا العلاقة العضوية بين آخر إرهاصات حقبة الاستعمار التاريخية أي الكيان الصهيوني والولايات المتحدة بصفتها الوريث التاريخي لدول الاستعمار الأوروبي. تعيش الولايات المتحدة راهنا مرحلة اضمحلال لهيمنة اعتقدتها أبدية بعد انهيار نظام القطبين الذي حكم العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في القرن المنصرم. وهي حالة ظرفية نرى اليوم فوضى احتضارها مع عودة اقطاب تاريخيين إلى الساحة الدولية.

يمثل الرئيس ترامب وتياره الأيديولوجي، باختصار، الهلع الذي أصاب قيادات سياسية وأيديولوجية وعسكرية أميركية مع “اكتشافهم” أنهم ليسوا وحيدين على هذه الأرض. يترجم ترامب هذا الهلع في سلوكه وفي حملاته الانتخابية. فتحضيرا للمعركة الانتخابية التي سيقودها من أجل ولاية ثانية يحاول حشد أكبر قدر من أدوات الدعم التقليدية وبصورة خاصة اللوبيات المعروفة بعد خسارته النسبية في الصراع الداخلي بعد أن فقد السيطرة الكاملة على الكونغرس. يريد تثبيت النهج الذي اعتمده تحت شعار “أميركا أولا” والتي بينت ممارساته أنه يعني بالفعل “الولايات المتحدة وحيدة في العالم”. دخل العالم، مع دخول ترامب ومجموعته البيت الأبيض وسيطرة هذه الأخيرة على معظم مراكز القرار في واشنطن، مرحلة سياسية جديدة.

لا يخشى الرئيس الأميركي العزلة بعد قراره “الاعتراف” بما يسمى “السيادة الإسرائيلية” على الجولان السوري المحتل لأن هذا “الاعتراف” الباطل على أية حال، يندرج في سياق سياساته العامة القائمة على ازدراء القوانين الدولية، وخرق المواثيق والانسحاب من المعاهدات، والالتفاف على الأمم المتحدة وتحقير ميثاقها أي اعتماد الفوضى وشريعة الغاب والأذى المتعمد الذي يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ومنها ما يسمى “العقوبات “، اعتمادها سياسات وأدوات عمل لا تحمل من الدبلوماسية سوى الاسم. وتساعد على ذلك بعض ممارسات الأجهزة الأممية المخالفة هي بدورها للميثاق.

ففي منطق القيادة الأميركية الراهنة لا اعتبار على الإطلاق لآراء ومواقف ومصالح دول العالم ولا قيمة للأصدقاء. والأصدقاء والحلفاء قبل الخصوم والأعداء. يكفي أن ننظر إلى تعامل واشنطن مع حلفائها الأوروبيين. إضافة إلى ذلك، أقفل القرار الأميركي الباب على هذه الحقبة الدبلوماسية التي تمحورت حول شعار “الأرض مقابل السلام”. وأصبح الخيار الوحيد الممكن هو العودة إلى مبدأ “ما أخذ بالقوة سيسترد بالقوة” بمعنى آخر مهَّد الثنائي ترامب نتنياهو الطريق إلى الحرب.

س: لم يكن البيان الذي صدر عن الاتحاد الأوروبي حول هذا القرار حاملا لأي تغيير من مواقفه الدولية والإقليمية. هل هذا يعني أن الاتحاد الأوروبي يقبل ضمنا بالقرار أم أنه يحضر لتوجه مغاير في المستقبل؟؟

ج: موقف الاتحاد الأوروبي كمؤسسة جامعة أو من خلال الدول الأعضاء وعلى الرغم من الإعلان عن رفض المبادرة الأميركية الترامبية والإعلان الخجول عن التمسك بالقانون الدولي المتمثل بالقرارين الأمميين 242 (1967) و497 (1981) لم يكن كافيا وعلى مستوى التحديات التي ذكرتها آنفا وهي تحديات وجودية تطال مجمل العلاقات الدولية وقد تصيب تماسك الاتحاد الأوروبي ودوله.

ناهيك عن التناقضات الأوروبية وممارساتهم المتضاربة وغير المقبولة. لنأخذ مثلا المواقف الأوروبية من الجولان تحديدا. في نفس الوقت التي كانت الدول الأوروبية تتمسك لفظيا بالشرعية الدولية عبر رفضها قرار “الاعتراف” كنا نرى الدول الأوروبية الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان في جنيف تصوت مجتمعة ضد القرار الذي اعتمده المجلس بأكثريته بخصوص وضع حقوق الإنسان في الجولان المحتل – حيث أدان ممارسات الاحتلال الإسرائيلي – مبررة موقفها بحجج واهية وزائفة من نمط عدم “توازن” القرار ” الذي يستهدف إسرائيل دون غيرها” وكأن المطلوب إدانة أهالي الجولان كما تجرأ المندوب البريطاني. وصولا إلى القول إن “وضع أهالي الجولان لا يتمايز عن أية حالة لحقوق الإنسان في دولة أخرى”. أين المنطق في هكذا سلوك؟ لقد دلت التجربة أن ازدواجية المعايير وتناقض الأقوال والأفعال والانتقائية المقصودة ستبقى تميز سياسات الاتحاد الأوروبي ودوله في المرحلة الراهنة حيث فقد هذا الأخير استقلاليته وأصبح تابعا مكبلا بحكم الروابط الأطلسية والناتو.

س: هل سيكون مصير المواطنين السوريين الذين ما زالوا مقيمين في الجولان مهددا أن يصبح كمصير الفلسطينيين؟

ج: المعركة والمواجهة مع الطرف الأميركي-الإسرائيلي معركة واحدة بأوجه مختلفة. أكد أهل الجولان المحتل قرارهم الوطني والقومي بمواجهة كل مشاريع الاحتلال لاحتوائهم وسلب هويتهم واخضاعهم. إن المبادرات والتحركات التي رافقت ذكرى عيد الجلاء منذ أسابيع أفضل دليل على ذلك. علينا ألا ننسى أن أهل الجولان المحتل الذي طردهم الاحتلال الإسرائيلي سنة 1967 كانوا آنذاك خمسين ألفا وأصبحوا الآن نصف مليون. وارتباطهم بأرضهم أقوى من أي وقت مضى. كما أن الإعلان عن اللجنة الدولية لدعم المناضل الأسير صدقي المقت وتوسعها المضطرد خير دليل أيضا أن مواجهة الاحتلال وأربابه في واشنطن ومقاومة مشاريعه الاستعمارية من الثوابت المستدامة. كما  أن عضوية المطران عطالله حنا، مطران القدس، بصفته أحد المؤسسين دليل آخر على العروة الوثقى التي تربط مقاومة الاحتلال الاستعماري في فلسطين بجميع حركات المقاومة في سائر الأراضي المحتلة في سوريا ولينان وغيرهما.

هذه المواجهة قائمة على مستويات عدة من الفعل المقاوم الذي يعمل على استنهاض كافة القدرات الوطنية والقومية، والذي لا يستثني أي جبهة من جبهات هذه المواجهة الشاملة، من مقارعة الاحتلال على الأرض وبشتى الوسائل المتاحة. هل ننسى مثلا أن صدقي المقت هو من وثَّق وفضح الدعم والتكامل بين المنظمات الإرهابية والجيش الإسرائيلي؟ وصولا إلى إعادة تثبيت ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي كمرجعية تنظيم وضبط للعلاقات الدولية مرورا بحشد أكبر عدد من الدول والقوى لمواجهة الثنائي الأميركي الإسرائيلي والتخلص من سياسات التدمير والهيمنة.

في هذا العدد<< الجولان ـ حسان يونسالنخب وتحدي الذات/ افتتاحية العدد >>
0 0 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments