عودة إلى نظام سعاده الاقتصادي- القسم الثالث: تنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج-حنا الشيتي

image_pdfimage_print

أعتقد أن ما مهدنا له في القسم السابق من هذه الدراسة عن وجهة نظر سعاده في المعضلة الاقتصادية، يكفي لتمكيننا من فهمٍ واضح للمبدأ الإصلاحي الرابع. فنتقدم هنا لبحث البند القائل بـ “تنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج”.

لكني أود الإشارة بدايةً إلى أننا لا ندَّعي أن الحكومات في النظم الرأسمالية تهمل علاج هذه المعضلة؛ بل على العكس تماماً. كتب علم الاقتصاد مشبعةٌ بالنظريات المتنافسة في تقديم الحلول للمشاكل الاقتصادية مثل البطالة والركود الاقتصادي والتضخم المالي، وغيرها. كذلك نجد أن هذه الحكومات لا تتوانى عن انتهاج سياسات مالية أو اقتصادية للتعامل مع هذه المشاكل، مثل إدارة معدلات الضرائب، والفائدة المصرفية، وكمية النقد المتداولَة وسياسة تشجيع الاستثمار، وتسليف القروض، إلخ. يُضاف إلى هذا أنها كثيراً ما تقوم بمشاريع استثمارية من أموال تخلقها هي نفسها بغية تفعيل حركة الاقتصاد، وخلق فرص عملٍ جديدة. لكن نجاحاتها تبقى محدودة طالما أنها لا تتصدى للأسباب الأساسية التي أشار إليها سعاده، وبحثناها في القسم السابق من هذه الدراسة. خصوصاً السببين الرئيسيَّن منهما؛ أعني مسألة اختلال التوازن بين العمل والإنتاج، وحرية الرأسمالي المطلقة بالتصرف بهما معاً. 

ماذا نعني بالاقتصاد المؤسس على الإنتاج

إذا كنا نعمل في ما امتهنَّا من الأعمال ثم نسعى إلى تسويق ما أمكننا إنتاجه، نكون من ذوي الاقتصاد المؤسس على العمل. في نظام من هذا النوع، يكون فيه مثلاً كذا مصنع للسيارات، وللأدوات المنزلية، وللأدوية، وما شاكل، لها طاقات إنتاجية غير محددة، قد تزيد أو تنقص عن حاجات الأسواق لها. في هذه المصانع، يقوم خبراء التسويق، كلٌ على حدة، بل وفي تنافسٍ وتضاربٍ فيما بينهم، بالعمل على إيجاد الأسواق المحتاجة لمنتوجات مصانعهم كي يتمكنوا من تصريفها والمحافظة على استمرارية العمل فيها. وواضحٌ، أن الحالة هذه، هي عينها التي نشهدها فعلاً في كل الأنظمة الرأسمالية، فهي بالتالي أنظمةٌ تفرز بطبيعتها اقتصادات مؤسسة على العمل.

لكن في اقتصادٍ مؤسسٍ على الإنتاج، تنقلب الأمور رأساً على عقب، إذ يكون عملنا وفقاً لمطالب الأسواق من الإنتاج. في هذه الحالة، نحن نتبين أصناف السلع والخدمات المطلوبة، ونختار منها ما يمكننا تحقيقه بأقل مجهودٍ وأسرع وأكبر نتيجة، ثم نقسِّم العمل المتوجب فيما بيننا، ونعمل عليه. إن جزءاً هاماً من التبادل الخارجي يقوم على أساس اتفاقات تعقدها الدولة مع دولٍ أخرى، حليفة أو صديقة. لذا فمقدرتنا على تصريف الإنتاج تتوقف على قدرتنا في الاستجابة لاحتياجات هذه الدول. نحن ننظر إلى العالم العربي مثلاً ونكيّف صناعاتنا لإنتاج ما تحتاجه أسواق هذه البلدان، لا أن ننتج ما أمكننا، ثم ندور نستعطي هذه الدول لشراء سلعٍ حاجتها لها أقل من حاجتنا لتصريفها.

كذلك نجد فرقاً في كيفية توزيع الثروة الناجمة عن الإنتاج بين النظامين. ففي الاقتصاد المؤسس على العمل، يكون الرأسمالي هو مالك الإنتاج الوحيد، إذ قلما يكون لسواه أي حق في نصيب منه. هو يشتري وقت عمل العمال، ويصبح بعدها حراً في التصرف به وفق ما تمليه مصلحته الفردية. وكذلك حاله مع صاحب الأرض التي يستأجرها منه. أما في الإقتصاد المؤسس على الإنتاج، فلكل الشركاء في العمل حقٌ في نصيب من الإنتاج، لأنهم هم الشركاء الوحيدون فيه. بل يذهب سعاده بعيداً في اعتماد الإنتاج مقياساً لتوزيع الثروة كما في قوله: “على أساس الإنتاج فقط يمكن النظر في إيجاد العدل الاجتماعي الحقوقي بين الذين يشتركون في الإنتاج“[1].

وهذا باعتقادي يظهر سبباً إضافياً وراء إعلان سعاده بأننا ” لا نقول بالنقابات نظاماً ولكن نقول بالتصنيف الفني للإنتاج“[2].  فنظام النقابات هو تحسين الأجور والمرتبات، إذ تحدد إدارة النقابة السعر الذي على أساسه يبيع أعضاؤها وقت عملهم. ونظام كهذا لا مكان له في اقتصاد مؤسس على الإنتاج. أما التصنيف الفني فيرتب السلع ذات الصنف الواحد بحسب جودتها ومواصفاتها، ويسمح بالتالي بتمييز قيمها وفاقاً لترتيبها. بأية حال، سوف نعود إلى مسألة توزيع الثروة، بما فيها موقفنا من النقابات في القسم الخامس من هذا الدراسة، عند بحثنا لبند صيانة مصلحة الأمة والدولة.

لماذا تنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج؟

الحقيقة أن حركة الاقتصاد بطبيعتها مؤسسةٌ على الإنتاج. أما أن تكون على غير ذلك، في النظم الرأسمالية، فليس إلا خروجاً لها عن محورها. فالاقتصاد مصلحة أساسية في المجتمع، بل هي في أساس كل مصالحه لأنها تخدمها جميعها[3]. لذا فحركة التفاعل الاقتصادي في المجتمع، كأية مصلحة أخرى، تدور رحاها على قطبين: واحدهما سلبي لأنه المصلحة من التفاعل، وهو قطب الإنتاج. والآخر إيجابي، لأنه المعبّر عن الإرادات المتعاونة على تحقيق الغرض من التفاعل، وهو قطب العمل[4]. فالإنتاج إذاً هو الأساس لأنه هو المقرر للعلاقة، والمولِّد للعمل؛ أما هذا فهو التابع للإنتاج أو الدال عليه. يقول سعاده “المصلحة هي التي تقرّر العلاقات جميعها والإرادة هي التي تحقّقها“[5].

فحتى لو عدنا إلى حالة الاقتصاد الفردي السابقة، سنجد الاقتصاد مؤسساً على الإنتاج مبدئياً. فالعائلة القائمة بأود نفسها، كان عليها تقرير حاجاتها أولاً، ثم تختار أنواع الأعمال لتحقيقها وتقسِّمها فيما بينها. ولعل الأمور أخذت تخرج عن محورها، في البدء، مع التبادل الداخلي بالفائض من الإنتاج عن حاجات العائلة. ثم لاحقاً، في العهود الأولى للتجارة الخارجية بالصناعات البيتية؛ حيث في الحالتين كانت البضائع المُتاجَر بها داخل المجتمع، تُقيَّم وِفق قيم الأعمال المبذولة فيها. فانقلبت الأمور رأساً على عقب، وأصبح العمل هو المتغير المستقل (The Independent Variable)، والإنتاج هو المتغير التابع له (Dependent Variable The).

وكما أوضحنا في القسم السابق، لم تكن المشكلة في تلك الحالة ذات بال طالما بقي العمل والإنتاج متوازنين، بعامل بقاء الإنتاج في المجتمع. لكن قدوم الثورة الصناعية، غيَّر هذا الوضع ولم يعد هناك من مجال للعودة إلى الوراء. لقد انفلت الإنتاج من تبعيته للعمل، وأصبحت قيمته، كما قلنا، حاصل تفاعلات الأسواق الخارجية، ومستقلة إلى حدٍ بعيد عن قيمة العمل التي يحققها في السوق الداخلية. فأنَّى لقيمتي العمل والإنتاج أن تتوازنا، في وضع كهذا، وكل واحدة منهما هي حاصل تفاعلات آلاف، بل ملايين، العوامل المختلفة؟ لذلك فالطريقة الوحيدة التي أمامنا لتحقيق التوازن مجدداً ومعادلة قيمتيهما، هي أن نقلب الأمور رأساً على عقب مرةً أخرى؛ فنجعل من قيمة العمل هي التي تتبع لتعادل قيمة الإنتاج، الذي يعود ويصبح هو الأساس في العلاقة.  وهذا يعني أن ما يجب فعله عملياً، كي تتساوى القيمتان، هو أن نعتبر المشتركين في العمل، هم الشركاء في الإنتاج حيث يجب أن يشملهم جميعاً توزيع الثروة الناتجة عنه. ومن هنا نفهم قول سعاده ” وإن الاشتراك في الإنتاج اشتراكاً فعليًّا شرط للاشتراك في الحق العام“[6].

ولا يُخفى على أحد التبعات الروحية العميقة والبعيدة لهذا المبدأ. فرد فعل العمال على تطبيقه لن يكون مجرد أخذ الأموال التي كان يستولي عليها الرأسمالي منهم، ووضعها في جيوبهم هم بدلاً من جيبته، ثم يتابعون عملهم بنفس الحماس السابق. لا، بل سيزداد هذا أضعاف أضعاف، إذ عندها ستكون لهم مصلحة بزيادة الإنتاج، و””الإرادة على قدر المصلحة“، كما يقول سعاده[7]. وسيكون لنا عودة إلى هذه النقطة في القسم الخامس. 

لكن الدورة الاقتصادية مؤلفة من مرحلتين: الأولى تقسيم العمل، والثانية توزيع الثروة أو الإنتاج. ولا يكفي أن نعتمد الإنتاج كأساسٍ لقيمة العمل في المرحلة الثانية فقط، دون اعتماده أيضاً في المرحلة الأولى. فالتوازن الذي يتحقق في حالة كهذه يكون توازناً لا ضمانة فيه باشتراك الكل في العمل. وكم هو عظيمٌ مبلغ الرّضى والاقتناع عند العامل إن قلنا له “سنحسبك شريكاً بالإنتاج، إن وجدت لنفسك عملاً”. ولعل هذا ما يدفع سعاده للقول بأن ” كل عضو في الدولة يجب أن يكون منتجاً بطريقة من الطرق“[8]. ونحن لو عدنا إلى الشرح، كما ورد أساساً في كتاب تعاليم المبادئ، لوجدنا أن الأفكار هذه مربوطة كلها بجملة واحدة، حيث يجب قراءتها كاملةً لاكتمال المعنى: “أما تنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج فهو الطريقة الوحيدة لإيجاد التوازن الصحي بين توزيع العمل وتوزيع الثروة، كل عضو في الدولة يجب أن يكون منتجاً بطريقة من الطرق“[9].

إذا لم نعتمد الإنتاج أساساً لتقسيم العمل، لما أمكننا تحقيق التعاون على أوسع قياس، لسدِّ كل حاجات الأسواق التي لدينا استعدادٌ لسدها، واستنفاد كل طاقاتنا للعمل. فالإنتاج هو مزيجٌ يمكن أن يُركَّب بأكثر من طريقة أو معادلة أو نوع من أنواع الأعمال. والأعمال قادرة كذلك على إنتاج أصناف مختلفة، ويمكنها التحول من العمل على صنف ما إلى آخر. وهذا يعطينا ليونةً في الحركة والتخطيط لإشراك الجميع في تعاون العمل. لكن لا بد لنا من امتلاك النظرة الكلية الشاملة لما هو مطلوب، ولما نحن على استعدادٍ لتقديمه. فإذا أبقينا الاقتصاد مؤسساً على العمل، وتركنا للأفراد حرية تركيب هذه المعادلات عشوائياً، أو وفاقاً لما تمليه مصلحة الرأسمالي، دون النظر إليها من الوجهة المجتمعية الكلية، كان لا بد من وقوع الهدر؛ يبقى عمالٌ عاطلين عن العمل، أو ننتج بضاعةً لا سوق لها. فقط في حالة العمالة التامة والإنتاج وِفق الطلب، يمكننا تحقيق التوازن بين العمل والإنتاج.

إذن، نحن حتماً لا نرمي إلى شيءٍ شبيهٍ بما كان يحدث في الدول الاشتراكية. تحضرني هنا مقالة للأمين الطيب الذكر محمود غزالي يذكر فيها ” تجربة إنتاج الدواجن في الجمهورية السورية التي وصل إنتاجها في السبعينات إلى ضعفي حاجة السوق المحلية، لكن علاج تصريف الضعف الفائض لم يكن في محاولات فتح أسواق خارجية له، ولا تخفيف القدرات الإنتاجية، بل كان في “إعدام” أجل إعدام نصف الإنتاج عن طريق طمره في الأرض بقصد التخلص منه“[10]. ويتابع الأمين غزالي قائلاً إن هذا المثل ينسحب على معظم إنتاج المؤسسات المماثلة على غرار ما كان يحدث في اقتصاد دول الكتلة الاشتراكية. بعدها يخلص إلى أن نموذج الانهيار الكبير للاتحاد السوفياتي ومعه الكتلة الشرقية كان نتيجة الخلل الكبير الذي أحدثته سياسة القبض على مواقع الإنتاج والتسويق والتوظيف من جانب السلطة من جهة، وغياب الدوافع والحوافز والمغريات من جهة أخرى[11].

أما حل سعاده فهو في الجملة التي تتبع تلك التي أوردناها فوق، إذ يقول إنه “… يتوجب تصنيف الإنتاج والمنتجين بحيث يمكن ضبط التعاون والاشتراك في العمل على أوسع قياس ممكن وضبط نوال النصيب العادل من النتاج، وتأمين الحق في العمل والحق في نصيبه“[12]. وسوف نشرح في الفقرة التالية ما نعنيه بتصنيف الإنتاج والمنتجين.

 تصنيف الإنتاج والمنتجين

كنا قد ذكرنا في القسم السابق أنه مع فشل قوانين العرض والطلب في إحداث التوازن بين العمل والإنتاج، نحن بحاجة إلى إيجاد الآلية البديلة لتقسيم العمل على نحوٍ يوفق بين مختلف الأصناف المنتَجة وحاجة الأسواق لهذه الأصناف. ووِفقاً لما ذكرناه فوق، يمكننا الإضافة أن هذا التقسيم لا بد وأن يشمل كل أعضاء الدولة كي نؤمِّن حق كل واحدٍ منهم في العمل، وحقَه في النصيب. والحقيقة أن تحقيق هذه الحاجة هي أقل المهام المطلوبة من نظامنا الإقتصادي، إذ أن سعاده يذهب بعيداً أكثر بكثيرٍ منها، بإعلانه أن إنتاجنا القومي سيكون قادراً على التفاعل مع إنتاجات الأمم الأخرى، واتخاذ مواقفٍ موحدةٍ تجاهها[13]. وهذا يقتضي تكوين نظام جديد تتمكن فيه قوى العمل، ليس فقط من الإستجابة لمقتضيات الإنتاج، بل التفاعل فيما بينها لرد الفعل على فرص وتهديدات العوامل الخارجية، وصيانة وحدة الأمة، ورفد الدولة بالقوة، وتحقيق الخير والرفاهية لعامة الناس.

صحيح أنه لم يصلنا من سعاده شرح مباشر حول كيفية تحقيق نظامه للتعاون في العمل والذي تُطبَّق فيه مبادئه في تنظيم الاقتصاد القومي. إلا أن إشارته بوجوب تصنيف الإنتاج والمنتجين، هي بحد ذاتها المفتاح لحل لغز قضية استحداثه كلها. وبدهي أن الدعوة هذه لا تعني إعداد لوائح عنهم وعن صفاتهم، فأنَّى لمعلومات كهذه أن تفيدنا بشيءٍ عملي؛ ناهيك عن تمكيننا من التوفيق بين إشراك الكل في العمل، وخصوصاً أنها معلومات تحتاج متابعةً ومواظبةً في التحديث لأنها سرعان ما تفقد صلاحيتها.

وبحسب المعجم فإن تصنيف الأشياء يعني ترتيبها، وتمييز بعضها عن بعض حسب علاقاتها. فإذا كانت غايتنا من التصنيف هي توثيق علاقات هذه الأصناف والتوفيق فيما بينها لضبط تعاونها، فوسيلتنا لذلك هي أن يشمل التصنيف استحداث المؤسسات. يقول سعاده، إن “التنظيم ORGANIZATION .. قد أوجد ليعطي التوافق والتعاون وليوثق المصالح”[14].  والمصلحة كما ذكرنا فوق هي التي تقرر العلاقات جميعها[15].

في كتاب “نشوء الأمم” المقتضَب جداً، يسهب سعاده البحث في مصالح المجتمعات الراقية، وإعطاء صورة عنها وعن علاقاتها وترتيبها فيما بينها. ويظهِر كيف أنها تتنوَّع وتتعيَّن وتتمايز وتتعاون وتتحد، على نحوٍ يجعل وحدة هذه المجتمعات أتم وأوضح. ويشدد على أنها ” تؤدّي إلى إنشاء جمعيات من كلّ نوع منها، تجمع كلّ جمعيّة الأفراد العاملين لمصلحتها“[16]. لكن ما يثير اهتمامنا هنا أن هذه المجتمعات، بعامل أن نظام اقتصادها قد بقي اقتصاداً فردياً، لم تشعر أن لها مصلحة أساسية بتنظيم تقسيم العمل، وتنظيم توزيع الإنتاج على صعيد المجتمع، فلم توِّلد الجمعيات المختصة للعمل على هاتين المصلحتين الأساسيتين فيه؛ فلا نجد بالتالي في هذين الميدانين غير الفوضى. في حالةٍ مثلى، يتوجب إيجاد الوسائل التي تمكن المجتمع من التفاعل مع ارتدادات متغيرات حركتي العمل والإنتاج، سواءً تلك التي تحدث داخل الجمعيات، أم في المحيط. إذا كانت غايتنا تنظيم الإقتصاد على أساس قومي اجتماعي، فلنا مصلحة أساسية في ترتيب علاقات كل صنف من أصناف الإنتاج والمنتجين، ولا بد لنا من توليد المؤسسات التي تجعل من هذه المصلحة غرضها الأولي.

تصنيف الإنتاج

صحيح أننا قد نجد جمعية أو أكثر عاملةً على مصلحة صنف ما من أصناف الإنتاج. إلا أن الغرض الخصوصي لهاتيك الجمعيات، وغالباً ما يكون الربح، يبقى الغرض الأولي لها، ومقرر كل اعتباراتها. أما المصلحة الاقتصادية العامة لها – أي تأمين سد حاجة الصنف المعني بأقل مجهود وأسرع وأكبر نتيجة ممكنين – فتأتي في المرتبة الثانوية. لقد ميَّز سعاده بين صنفين أساسيين من المصالح، منوهاً بألاَّ يصير خلطٌ بينهما، وهما: المصالح الشكلية الخصوصية، والمصالح العامة المشتركة. والالتباس يحدث بعامل أنه كثيراً ما تكون المصلحة الشخصية هي الدافع للعمل على المصلحة العامة، حيث يجب في الحالة هذه التمييز بين كونها مصلحةً مركّبةً وثانوية بالنّسبة إلى الشّخص المعني، رغم بقائها مصلحةً عامةً وأولية للعموم[17]. وبدهي أن أي تضاربٍ بين المصلحتين، في حالة من هذا النوع، يكون التفوق فيه للمصلحة الخصوصية للشخص المعني على حساب المصلحة العامة.

لذا لا بد من أن تنشئ الدولة لكل صنفٍ من أصنافِ الإنتاج مؤسسةً تضع المصلحة العامة لذاك الصنف فوق المصالح الشخصية للأفراد والفئات العاملة عليه، فتعمل على ضبط الإنتاج والتوفيق بين الطلب والعرض لذاك الصنف؛ عن طريق التوفيق بين مصالح المنتجين مصنّعي الصنف، ومصالح مسوِّقيه. والضبط والتوفيق لا يعنيان أن هذه المؤسسات ستقرر عن الأفراد ما عليهم فعله، فهي نادراً ما ستحتم ذلك. لكنها تعمل على إيجاد الأسس التي يتم بموجبها تقييم المنتوجات المختلفة للصنف الواحد، فتمكِّن المؤسسات العامة لتصنيف المنتجين من تقرير شروط منح حقوق استثمار بيعه في الأسواق، وإجازات تصنيعه. مسوقو الصنف يدخلون مباريات الحصول على حقوق توزيع الصنف في الأسواق، عارضين أفضل الشروط التي يقدرون عليها. وكذلك مصنعوه الذين يدخلون مناقصات تصنيعه بأفضل الشروط التي تعني هنا الأقل كلفة وجهد. وتجدر الإشارة إلى أن الفصل بين حق التصنيع وحق التسويق يضع حداً لتصرف الأفراد الرأسماليين بالعمل والإنتاج معاً، ويجعل من مصلحة كل واحدٍ منهم، زيادة الإنتاج إلى الحد الأقصى، حيث تكون في هذا أيضاً مصلحة الأمة والدولة.

وهكذا، بينما يمكّن هذا التنظيم المؤسسة العامة المختصة بصنف الإنتاج المعني من التعامل مع أي زيادة أو نقصان في الصنف المسؤولة عنه، وتوجيه المصنعين والتجار وِفقاً لذلك، تتمكن الدوائر المختصة في الدولة من تعيين أماكن القوة والضعف في أصناف الإنتاج القومي وأجتراح السياسات بناءً على مقتضاها.

تصنيف المنتجين

وكما حالة الفوضى التي نجد مصالح الإنتاج عليها في المجتمع، كذلك هي حالة المنتجين. ما نجده هو أن كل جمعية تعمل على حدة في تنظيم وتصنيف فريق عملِها هي، وِفق أنواع الجهود التي تحتاجها. وتجري تعديلاتها زيادةً ونقصاناً، وِفاقاً لتبدل هذه الحاجات، في نظامٍ داخليٍ واضحٍ لها. أما على صعيد المجتمع، فعبثاً تحاول أن تجد مثل هذا التنظيم. كل مدرسةٍ، مثلاً، تعرف كم مدرس تحتاج، وكم منهم لتدريس اللغة وكم للرياضيات، وما مؤهلات هذا أو ذاك. وهي تزيد أو تنقص أعدادهم حسب تبدل حاجاتها. وقس على هذا المستشفيات، وشركات البناء، والمصانع وغيرها. أما المجتمع، أو بالأحرى وزارات الدولة، فهي مغيَّبة كلياً عن هذه المعلومات، لا تشعر بمتغيراتها، ولا تتفاعل معها، اللهم إلا عند حدوث شغب واحتجاجات. جل ما تجده أحياناً هو مكاتبٌ لمساعدة العاطلين عن العمل مادياً أو في البحث عن عملٍ آخر لهم، وهذا شيءً مختلف كلياً.  لذا لا بد للدولة من أن تقوم بذات الإجراءات التي قامت بها مع أصناف الإنتاج، فتبادر إلى إنشاء مؤسسة عامة لكل صنف من أصناف المنتجين تعمل على تنظيمهم وترتيبهم وإيجاد الأسس الصحيحة لتقسيم العمل على أعضائها.

يميز سعاده بين نوعين من التعاون: بسيط ومركب. البسيط هو ما أشتمل على نوع واحد من الأعمال، والمركب ما اشتمل على نوعين أو أكثر. والتعاون البسيط تنتظم أشكاله في صفوف، أما المركب ففي دوائر. وعلى هذا، يبدأ سياق تنظيم أصناف المنتجين بالتحاق هؤلاء أولاً بصفوف مهنهم وحرفهم، حيث يعمل عندها على إلحاقهم بدوائر العمل التي تحتاج خدماتهم. وبما أن تصنيف المنتجين سيشمل كل أعضاء الدولة الذين بلغوا مرتبة الإستعداد للعمل، في كل بقاع الوطن، فيمكن تقسيم هذه جغرافياً أيضاً لتشكل صفوفاً صغرى ضمن صفوفٍ كبرى. واعتقادي أن هذا يفيد في أن تختص كلٌ منها بالمصالح المحليَّة للمهنة، إضافةً إلى إشتراكها مع باقي مؤسسات مهنتها في المصالح المشتركة للجميع.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه وِفقاً لمبدأ كل عضو في الدولة يجب أن يكون منتجاً بطريقة من الطرق“[18]، فكل واحد من هؤلاء الأعضاء، يكون في الآن ذاته أيضاً إما ممارساً لعملٍ حرٍ أو ملتحقاً بدائرةٍ ما من دوائر العمل مشاركاً فيها الإنتاج مع آخرين. هذا ويتم نقل الأعضاء من إحدى الدوائر إلى غيرها، إذا ما استغني عن خدماتهم فيها، أو اقتضت مصلحةٌ عُليا بهذا، أو عملاً بمصلحة الشخص المعني. بهذا التنظيم يصبح من السهل تبين أصناف المنتجين التي تعاني من البطالة وأماكنها، كذلك يسهل تعيين الكفاءات النادرة أو المطلوبة وما شاكل.

وكما هي الحال مع الأفراد، كذلك يشمل التصنيف دوائر العمل، حيث بالإمكان تصنيف الجمعيات على اختلاف أنواعها، من شراكات ومنظمات وما شاكل، وفاقاً لنوع العمل الذي تزاوله. ولكن لا بد لنا من تقسيمها إلى قسمين أساسيّيَن: سلبي وإيجابي. فالأصناف السلبية هي التي تعنى بتوزيع وتسويق الإنتاج، كالشركات التجارية والخدماتية. أما الأصناف الإيجابية فهي التي تعنى بتحقيق الإنتاج كالشركات الزراعية والصناعية. ويمكننا إضافة قسم ثالث ويشمل الجمعيات التي تشترك مع جمعيات أخرى لإنشاء جمعية كبرى، أي دوائر عمل صغرى تنتظم في دائرة عمل كبرى، قادرة على تنفيذ المشاريع الضخمة، كبناء المجمعات السكنية، واستخراج الطاقة، وبناء السفن، وغيرها. وقد تشمل الجمعيات الكبرى هذه جمعيات من القسمين، السلبي والإيجابي، أو تقتصر على واحدة منها.

الخلاصة

نصل هنا إلى ختام بحثنا في نظام سعاده لتعاون العمل، والذي يُعنى بتنظيم حركة الدورة المادية في التفاعل الاقتصادي، أو ما يسمى بالاقتصاد الجزئي (microeconomics) في علم الاقتصاد. وهذا يعني بالضرورة أنه نظام شكل، فالمادة كما يقول سعاده تعيّن الشكل [19]. وآمل أن أكون قد وُفِقت في نقل صورة صادقة وواضحة عنه، فيوافق القارئ معي على بهاء هيئة هذا النظام الذي يقدمه سعاده للإنسانية جمعاء، لمجتمعاتها الراقية، وليس فقط للمجتمع السوري. نظامٌ يرفع البشرية كلها إلى درجة أعلى من الرقي الاجتماعي، حيث تنتظم فيه المصالح وتجتمع على اتجاه واحد هو المصلحة العامة المشتركة. وبأية حال، عسى أن تكون هذه المحاولةُ، فاتحةَ نقاشٍ وتفاعلٍ فكري في هذا النظام. 

وسوف نبحث نظام حركة الدورة الروحية في التفاعل الاقتصادي، والذي يعيِّن مدى زخم واتجاه حركة الاقتصاد، في القسم التالي حيث نتناول فيه بند “إنصاف العمل”. وهناك ستكون مناسبةً لنا لبحث نظرة سعاده إلى الرسمال القومي، ولموقف النهضة السورية القومية الاجتماعية الواجب اتخاذه من الرأسمالية العالمية الحديثة ومخاطرها التي تهدد وجودنا.

 

[1] المحاضرات العشر، المحاضرة الثامنة، ص 117.

[2] المرجع السابق، ص 126.

[3] نشوء الأمم، الفصل السابع، الإثم الكنعاني، ص 144.

[4] نشوء الأمم، الفصل الثالث، الأرض وجغرافيتها، ص 46.

[5] نشوء الأمم، الفصل السابع، الإثم الكنعاني، ص 142.

[6] كتاب التعاليم السورية القومية الاجتماعية، المبدأ الإصلاحي الرابع.

[7] نشوء الأمم، الفصل السابع، الإثم الكنعاني، ص 146.

[8] المرجع السابق.

[9] المرجع السابق.

[10] محمود غزالي، الاقتصاد على أساس الإنتاج وصيانة الثروة، مجلة فكر، العدد 88، حزيران، 2005.، ص 142.

[11] المرجع السابق، ص 142-143.

[12] المحاضرات العشر، المحاضرة الثامنة، ص 117.

[13] المرجع السابق، ص 124.

[14] سعادة، “النظام”، المجموعة الكاملة، المجلد الثاني، 1936.

[15] نشوء الأمم، الفصل السابع، الإثم الكنعاني، ص 142.

[16] المرجع السابق، ص 144-145.

[17] المرجع السابق، ص142- 143.

[18] المرجع السابق.

[19] نشوء الأمم، الفصل الثالث، الأرض وجغرافيتها، ص 46.

 

 

 

في هذا العدد<< حلم- أنانا مهلوبيالفخارة والشرب من رأس النبع- د. هزار الأحمر >>
0 0 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments