صرعتوا ربنا بفلسطين”…

image_pdfimage_print

لم تكن هذه الجملة لسان حال فيصل القاسم وحده عندما أطلقها في إحدى حلقات برنامجه “الاتجاه المعاكس” لا بل أستطيع أن أقول بكل ثقة أنها تجول في خاطر الكثيرين، وقد عبر كثيرون عنها أمامي مباشرة بعدة مناسبات، خصوصاً عندما أكون في نقاشات مع الشباب الأصغر عمراً ونتحدث عن رؤيتهم للأمور.. “فلسطين مين انت التاني؟؟ خلص راحت. انسوها وخلصونا بقى لسة عايشين بالأحلام، ما حد فاضيلكم.”

في الحقيقة لا ألوم هؤلاء كثيراً على نظرتهم أو طريقتهم في التفكير، فالعوامل التي ساهمت في الوصول إلى هذه المرحلة كثيرة جداً وعلى رأسها سلسلة الهزائم غير المنتهية التي تحاصر المواطن وتخنقه وتجعل من التفكير بمسألة غير تأمين لقمة العيش المرة، ترفاً لا يملكه.

“أريد التطبيع مع اسرائيل”.

صفقة القرن

هكذا قالت لي صبية صديقتي عندما كنا نتحدث في هذا الموضوع، هناك اعتقاد شبه راسخ لدى شريحة واسعة جداً من أبناء العالم العربي، بما في ذلك القادة وصناع القرار، أن شرط الاستقرار والازدهار الاقتصادي وحياة بدون عقوبات ولا ملاحقات وأسواق مفتوحة وسياحة وعطلات.. إلخ. شرط هذا كله هو الرضى الإسرائيلي، والذي يعني رضى أميركا بطبيعة الحال.

ولكن، على أرض الواقع ما مدى صحة هذا الكلام؟

أستطيع أن أفهم المرحلة السيئة جداً التي وصل إليها المواطن السوري من كافة النواحي بعد سنوات الحرب الطاحنة، ولكن هل كان السبب هو حالة العداء مع “اسرائيل”؟ وهل السلام والتطبيع معها سينهي هذه المعاناة؟؟ كيف؟؟

لو كان السلام مع هذا الكيان هو مفتاح الاستقرار السياسي، لماذا سمح الأمريكان ومن خلفهم الاسرائيليون بسقوط حسني مبارك، هل كان لديهم ربيب أوفى منه؟ هل سيكون في يوم من الأيام من هو أقرب لهم منه؟ كيف تركوه يذهب هكذا ويسقط هذا السقوط المدوي والذي أدخل مصر في دوامة الانقلاب العسكري من جديد وسيطرة هذه الشخصية المهزوزة التي نراها تحكمها اليوم؟!

لماذا لا يزال المواطن المصري والذي دخل في حالة سلام وتطبيع مع هذا الكيان منذ 42 عاماً يطارد لقمة العيش ولكن بذلٍ وليس بكرامة كما كان يطاردها سابقاً.

ما الذي جلبته اتفاقيات السلام على الأردن؟ هل شطبت ديونه؟ هل انتعش اقتصاده؟ هل يستطيع الأردن الصمود سنتين فقط بدون مساعدات؟

لا أعلم حقاً من أين أتى هذا الاعتقاد الراسخ، مع أن التجربة العملية والمستمرة تظهر لنا تحقق عكسه تماماً على الأرض. فكل ما كان المواطن ينتظره من خلال هذا السلام لم يحصل عليه.

ما الذي ستجنيه سوريا والسوريون من سلام مع “اسرائيل”؟ ما الذي ينتظرونه؟

سأذكر بتجربة سابقة في التطبيع مع دول الجوار. عندما كانت علاقاتنا مع تركية “عضوية” كما كنا نطلق عليها، غزت المنتجات التركية الأسواق السورية كافة، وتعالت أصوات التجار السوريين طالبة الرحمة أمام هذا الزخم التجاري التركي الذي كاد يطيح بالمنتجات السورية على أرضها وبين جمهورها. لماذا يعتقد البعض أن الأمر لن يتكرر مع الاسرائيليين؟ أقول لكم وعن اطلاع ودراية، حتى جرزة البقدونس لن تستطيع الصمود أمام تلك القادمة من الكيان. ستكون أرخص سعراً وأعلى جودة وستصل إلينا من هناك يومياً مثلها مثل كل المنتجات التي ينتجها هذا الكيان، وهي كثيرة.

ولكن ماذا سنصّدر بالمقابل؟

إن كنت تنتظر ازدهاراً اقتصادياً عزيزي المواطن بعد السلام مع الكيان فانس الفكرة، كان غيرك أشطر.

من جهتي، سأبقى مؤمناً بالعودة، عودة الأرض وعودة المواطن. وصدقني، كلامي هذا، بالإضافة للرومانسية التي تتهمني بها دائماً، فإنه أيضاً مبني على حقائق، أهمها أن هذا الكيان يحمل بداخله عوامل سقوطه، ومن ينظر بعمق لداخل ما يسمى بالمجتمع “الاسرائيلي” يستطيع أن يرى مقدار هشاشته. فالكيان مبني على معادلة مصلحية، المصلحة المشتركة بين مكونات متعددة هي التي تبقيه موجوداً حتى الآن وهذه المصلحة مسألة متغيرة ومتعددة الولاءات وبالتالي فإن عقدها قابل للانفراط.

لماذا لا تزال تحلم بفلسطين؟

سألني قريبي الشاب الصغير، قلت إنني حقاً لا أحلم، هو يقين ولن أتنازل عنه.

إنها أولاً لأنها حقي وحق أبنائي وحق أجدادي وملكيتي وأرضي ومصدر رزقي وأنا أريدها ولن أصالح عليها. ولأنني أخاف المسؤولية التي ألقاها التاريخ عليّ، شبح أقلام الكتّاب المرعب، كيف وماذا سيكتبون عنّا؟ لن أسمح للتاريخ أن يُظهرني على أنني قد يئست وتخليت واستسلمت، أصادق وقتها على كل الادعاءات والأساطير التي جاء على أساسها هذا الكيان.

وأزيدك أيضاً، إذا تركنا فلسطين، فلن تكون الأخيرة واليوم نرى إدلب بخطر الاقتطاع، والجزيرة السورية تحت سيطرة أجنبية، ونحن على وشك خسارة هذه الأجزاء من الوطن كما خسرنا الإسكندرون وكيليكية والأحواز وفلسطين، ما الذي يجعلك متأكداً أن الأمور ستقف هنا؟

إن الأرض التي لا مشكلة لديك بالتضحية بها في سبيل الرخاء والازدهار الاقتصادي الذي تحلم به ليست فارغة، هناك أخوة لنا يعيشون عليها منذ آلاف السنوات، ولن يتركوها ببساطة ومستمرون في خدمتها والدفاع عنها، كيف ستتخلى عنهم هكذا؟

فلسطين لا تختلف عن إدلب بشيء ولا عن الحسكة ولا الإسكندرون، وهذه الحقيقة ستبقى تلاحقك مهما تمسكت بحدود التقسيم، لأن التقسيم وقتها سيصل إلى غرفة نومك، وأستطيع أن أسرد لك صفحات طوال عن خسائر سورية من التطبيع بكل الصعد. التطبيع سيُجهز على آخر ما تبقى لديك من كرامة.

 

في هذا العدد<< صريح حتى الفجور-بلال جابرعذاب المشرق وطريق الخلاص-راجي سعد >>
1 1 vote
Article Rating

رامي جلبوط

المحامي رامي جلبوط من مواليد العام 1978 من عائلة فلسطينية نزحت إلى دمشق في العام 1948 درس الحقوق في جامعة دمشق ويمارس المحاماة في مكتبه الخاص. عضو مؤسس ورئيس سابق لجمعية نحنا الثقافية، ناشط مجتمعي. له عدة دراسات وأبحاث في قضايا قانونية، تاريخية ومجتمعية. متزوج ولديه ولدين

Subscribe
نبّهني عن
guest
1 تعليق
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
محمد البيك
محمد البيك
11 أيام

رائع استاذ رامي الرضوخ لا يعني إلا تقديم المزيد والمزيد ..

المقاومة الصادقة وليست المغلفة بالرياء هي السبيل الحقيقي لعودت أمجادنا ..

قال تعالى ” ولاتهنوا ولاتحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ”

صدق الله العظيم .