1

بين مصدر السلطة وانبثاقها

زهير قتلان

الدقة اللغوية في الشأن الحقوقي أمر ضروري ومهم لما له من أثر في تفسير القانون وتنفيذ أحكامه الأمر الذي يُتَوَخَّى معه وجوب التحري بدقة عن المعنى اللغوي للنص الدستوري أو القانوني.

ورد في التعديلات الدستورية التي أجرتها المجالس العليا المتعاقبة في الحزب السوري القومي الاجتماعي أن القوميين الاجتماعيين مصدر السلطات، اقتباسًا مما ورد في نصوص بعض الدساتير من أن الشعب مصدر السلطات، وأعتقد أن هذا الاسناد خطأ شائع، تسعفنا أيضاً في تأييد هذا الرأي، معاجم  اللغة التي تظهر الفرق بين كل من الكلمتين في المعنى. فكلمة بثق وانبثق، بَثَقَ الماء بُثٌوقًا اندفع فجأة، وبَثَقَ السَّدّ بثْقًا: ثَقَبه وشقه فاندفع منه الماء. وأما كلمة مصدر: فالمصدر لغة معناه الأصل، مصدر الشيء أصله، ما يصدر عنه الشيء، فالتشريع يصدر عن سلطة هي سلطة التشريع، والسلطة قوة يقررها الدستور فهو مصدرها، وأعضاء السلطة التشريعية -بحسب دساتير الدول- هم الجهة المُمَثِلة للقاعدة الناخبة لوضع القوانين وسن التشريعات ومراقبة عمل السلطة التنفيذية، والقول إن القانون يصدره الشعب “مصدر سلطة التشريع، بحسب النص الدستوري المعدِّل، والمصدر لغة كما أوضحنا هو ما يصدر عنه الشيء -أي أن  الشعب هو المشرع- فهذا تعبير مجازي إذ لا يمكن حتى في التصور أن يجتمع الشعب كل الشعب ليضع نصًا تشريعيًا ويصدره، فهذا يخالف الواقع والمنطق، الشعب بالمعنى الحقوقي هو القاعدة التي يُخْرَجُ منها بطريق الانتخاب من يمثلها في ممارسة  السلطة التي يحددها الدستور، الشعب هو الذي ينتخب ممثليه، وممثلوه هم عناصر السلطة التي حددها الدستور  وممارسوها، وكما أن الشعب ليس سلطة تشريع، فإنه أيضًا ليس سلطة تنفيذ، السلطة كما قدمنا يقررها الدستور فهي وظيفة لشخص اعتباري أوجده الدستور وحدد صلاحياته وأما المعبر عن إرادة هذا الشخص فهم ممثلو الشعب المنتخبون بالنسبة لسلطة التشريع وأعضاء الحكومة بالنسبة لسلطة التنفيذ، وأعضاء الحكومة هم من يمارس تنفيذ خطط الدولة وسياساتها، وهم من يعمل على تطبيق القوانين والمهام الأخرى التي حددها الدستور، ولا يمكن تصور أن يكون الشعب هو القوة التي تنفذ ما تصدره السلطات من قوانين و مراسيم و قرارات و أحكا م وإلا فما معنى وجود الحكومات ومؤسساتها وإداراتها، وأما في الحزب  فإنه من الخطأ القول إن القوميين مصدر السلطات والصواب القول إن القـاعدة الحزبية هي القاعدة التي ينبثق منها القائم بوظائف السلطة التنفيذية  رئيس الحزب. إن بيان الفارق في المعنى يوضح الفارق في القصد من هنا يجب أن تكون المؤهلات والشروط الواجب توفرها في المرشح لمنصب رئاسة الحزب هي غير المؤهلات التي يجب أن تكون لعضو المجلس الأعلى كما سبقت الإشارة، فلرئيس الحزب مؤهلاته في القيادة ولعضو المجلس الأعلى المؤهلات العلمية والخبرات التي تتطلبها طبيعة عمله والتي  تنير درب البناء وتجنب القوميين في مسيرة النهضة عثرات الطريق. ولكن هذا لايمنع أن تتوفر لدى الرئيس المواصفات والمؤهلات العلمية التخصصية المطلوب توفرها في عضو المجلس الأعلى غير أن هذا الرئيس يمارس في قيادته المهام التي تتطلبها سلطة القيادة وليس سلطة التشريع لاختلاف الوظيفة في الحالتين.

    بينا فيما تقدم قاعدة تعديل الدستور التي نصت عليها المادة العاشرة لنقول ،أن الحكمة و السلامة بل من الضرورة بمكان الفصل بين سلطة التشريع وبين هيئة بيان الرأي في الحالات التي عددتها المادة العاشرة من دستور سعاده هذه الحالات التي لم يضعها عبثا بل لضمان سلامة عمل القيادة في الحزب .إن ما جرى بعد استشهاد سعاده من تعديلات  للدستور والقوانين الحزبية وتكرار ذلك بتبدل أعضاء السلطة التنفيذية والسلطة التشريعه ، وما نشأ بنتيجة ذلك من إشكالات وصراعات داخل الحزب دليل على مدى الحاجة الى مؤهلين للبت في أمر التعديل وصحة مشروعه والحاجة إليه، وإعادة النظر في كل ما تم.