الحد الفاصل بين المسؤولية والسلطة

image_pdfimage_print

طموح القوميين الاجتماعيين، كل واحد منهم بلا استثناء، لتولي المسؤوليات الحزبية هو حق مشروع. بل هو واجب على كل عضو أقسم يمين الانتماء إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي. فالمسؤولية العليا وفق منظور سعاده هي نشر العقيدة والعمل على تحقيق غاية الحزب وخدمة مصالح الأمة. أما على المستوى الآخر، فهي المساهمة بتنفيذ الخطط الموضوعة في إطار الخطة المركزية الشاملة بتفرعاتها السياسية والأمنية والفكرية… إلخ.

والنظام الذي وضعه سعاده للحزب يأخذ في الاعتبار إيجاد التناغم بين طموح الرفقاء من جهة واحتياجات النشاط الحزبي من جهة أخرى: “إن نظامنا لم يُوضع على قواعد تراكمية تمكن من جمع عدد من الرجال يُقال إنهم ذوو مكانة يقفون فوق أكوام من الرجال تمثل التضخم والتراكم بأجلى مظاهرهما، بل على قواعد حيوية تأخذ الأفراد إلى النظام وتفسح أمامهم مجال التطور والنمو على حسب مواهبهم ومؤهلاتهم”. (المحاضرة الثانية، “الأعمال الكاملة ـ الجزء الثامن”. صفحة 18 ـ 19). ولا يتم تحقيق ذلك التناغم إلا من خلال تحمل المسؤولية العملية في المؤسسة الحزبية التي تناسب مواهب الرفيق ومؤهلاته، على شكل دائرة صغرى من ضمن دائرة كبرى… وهكذا.

وتتحدد المسؤولية بصورة عامة، وفي الحزب السوري القومي الاجتماعي خصوصاً، بعناصر أربعة مترابطة: طبيعة المهمة ـ المراقبة من الأعلى (تقدير حجم النمو) ـ الإنجاز ـ التقييم والمحاسبة. إن وقوع خلل في ترابط هذه العناصر، أو غياب أي واحد منها، سيؤدي حكماً إلى فشل المهمة المنوطة بالمسؤول وبالتالي فشل المسؤول نفسه. إن عدم تنفيذ مهمة معينة مهما صغرت سيكون له تأثير سلبي على الخطة المركزية العليا. ونذكر على سبيل المثال أن خطأ المجموعة المكلفة باعتقال رئيس الجمهورية فؤاد شهاب كان العامل الأساسي في فشل الثورة الانقلابية القومية الاجتماعية 1961 ـ 1962.

ويتطلب تعيين شخص ذي مؤهلات وكفاءات مناسبة أن يؤدي قسم المسؤولية قبل أن يتولى منصبه، كي يصبح ممتلكاً للصلاحيات المنصوص عنها في الأنظمة المرعية. ويشكل القسم نوعاً من التعاقد أو الالتزام القانوني. ذلك أن المسؤولية محددة بمهمة معينة، وتم اختيار شخص بعينه لأنه حاصل على المؤهلات التي تمكنه من إنجاز المهمة في الوقت المرسوم لها… أو على الأقل السير خطوات ثابتة في الاتجاه الصحيح. ومع أننا نردد كثيراً عبارة الأديب القومي الاجتماعي سعيد تقي الدين “ليس المهم أن تصرع التنين إنما المهم أن تصارعه”، غير أن الحقيقة هي ضرورة أن نبلغ في نضالنا مرحلة القضاء على التنين نهائياً.

بعد أداء القسم، يصبح المسؤول قادراً على ممارسة صلاحيات المسؤولية التي تولاها. لكنه يبقى خاضعاً لرقابة تراتبية من الأعلى إلى الأدنى. فمن الحيوي جداً أن يكون هناك إشراف دائم ومتابعة دقيقة كي يتم تأمين مسألتين: الأولى، ضمان التزام المسؤول بالمهمة التي عُهد بها إليه. والثانية، معرفة وتيرة التقدم في التنفيذ (حجم النمو) ومعالجة العقبات إن وُجدت، وما إذا كان الأمر يتطلب التبديل أو التعديل. إن العمل على المهمة (أو المهمات) يحتمل أن يكشف عن ثغرات غير متوقعة، وهذا يستلزم تنسيقاً بين الأعلى والأدنى بهدف التأكد من المواظبة على السير بالاتجاه المرسوم.

أما الإنجاز فهو أهم عناصر المسؤولية وأبرز صفاتها. إنه مقياس الحكم على نجاح المسؤول أو فشله. والإنجاز مرتبط عضوياً بعامل الوقت لجهة الزمن المخصص لتنفيذ المهمة، والتي تم اختيار المسؤول على أساسها. فمن غير المعقول أو المقبول أن تكون المهمة ذات مدى زمني مفتوح، لأننا نفقد في مثل هذه الحالة عنصر الإنجاز… وبالتالي تعجز الآليات النظامية عن المحاسبة. إننا لا نقصد بالمحاسبة الجوانب السلبية فقط، وإنما هي ثواب وعقاب. وتعتبر مقياس النجاح أو الفشل للمهمة المحددة وللشخص الذي تولى مسؤولية التنفيذ.

إذا نجح المسؤول في تنفيذ المهمة أو المهمات الملقاة على عاتقه، فمن حقه أن يتطلع إلى قمم أعلى وأسمى. أما في حال الفشل، فلا نحكم بالضرورة على أن المسؤول لا يصلح لتحمل أعباء أية مهمة أخرى. بل ربما بالإمكان توظيف قدراته في مجالات مختلفة، بعد إعادة تأهيله داخل المؤسسة. لكن الأكيد أنه من الخطأ الفادح إبقاؤه في منصب لم يستطع إيفاءه متطلبات النجاح والإنجاز.

هذا هو السياق المعتاد للمسؤولية في الحزب وخارجه. والمحاسبة تكون (بعد التقييم) ختام دورة العمل منذ خطواتها الأولى، وصولاً إلى النتائج المتوخاة منها. إلا أنه يحدث في أحيان كثيرة خلل أو انحراف في الممارسة، فتتفكك الخطة ويضيع اتجاه البوصلة. قلنا إن المسؤول يمتلك صلاحيات معينة لتسهيل نشاطه في تحقيق المهمة. أي أنه صاحب سلطة تحددها تلك الصلاحيات. ويبدأ الخلل عادة في إساءة استعمال الصلاحيات، ويتطور سلباً ليصل إلى طغيان السلطة على المسؤولية بكل عناصرها (طبيعة المهمة ـ المراقبة من الأعلى ـ الإنجاز ـ المحاسبة). فلا تعود المهمة وإنجازها مقياس تعيين المسؤول، وفي الوقت نفسه يتلاشى دور الرقابة والمحاسبة.

المسؤولية في الحزب تتضمن استخدام السلطة وفق الصلاحيات المنصوص عليها بالنظام الداخلي، ولتحقيق غاية محددة. لكن السلطة لا يحق لها أن تقولب المسؤولية حسب رغبات الماسكين بأعنة القرار… ففي هذه الحالة تنتفي المسؤولية، وتنهار الخطط، وتتحول السلطة إلى تسلط خارج عن كل القوانين والأعراف التنظيمية. وعندها يحيق خطر الزوال بالمؤسسة كلها. إذ حينما يتلاشى الحد الدقيق الفاصل بين السلطة والتسلط، فإن المسؤول يتماهى مع المسؤولية: “أنا الدولة والدولة أنا”، كما بشرنا لويس الرابع عشر… الطيب الذكر.

 

في هذا العدد<< لا لون-قيس جرجس
2 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments